الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال الآمدي: "الوجه السادس : يخص القائلين بحدوث القول ، وذلك أنهم وافقوا على أن القول مركب من حروف منتظمة ، والحروف متضادة ، فإنا كما نعلم استحالة الجمع بين السواد والبياض ، نعلم استحالة الجمع بين الحروف ، وأنه يتعذر الجمع بين الكاف والنون ، من قوله : (كن) . وقد وافقوا على استحالة تعري الباري عن الأقوال الحادثة في ذاته بعد قيامها به ، وعند ذلك فإما أن يقال باجتماع حروف القول في ذات الباري تعالى ، أو لا [ ص: 110 ] يقال باجتماعها فيه . فإن قيل باجتماعها : فإما أن يقال بتجزي ذات الباري تعالى ، وقيام كل حرف بجزء منه ، وإما أن يقال بقيامها بذاته مع اتحاد الذات . فإن كان الأول فهو محال لوجهين : الأول : أنه يلزم منه التركيب في ذات الله تعالى، وقد أبطلناه في إبطال القول بالتجسيم . الثاني : أنه ليس اختصاص بعض الأجزاء ببعض الحروف دون البعض أولى من العكس . وإن كان الثاني ، فيلزم منه اجتماع المتضادات في شيء واحد وهو محال . وإن لم نقل باجتماع حروف القول في ذاته ، فيلزم منه مناقضة أصلهم في أن ما اتصف به الرب تعالى يستحيل عروه عنه بعد اتصافه به ، والحرف السابق الذي عدم عند وجود اللاحق قد كان صفة للرب وقد زال بعد وجوده له" .

قلت : ولقائل أن يقول : هذا غايته أن يستلزم خطأهم في قولهم : إن ما يقوم به من الحوادث لا يخلو منه . [ ص: 111 ]

ولا ريب أن أكثر الناس يخالفونهم في هذا ، ولا يقولون بدوام الحادث المعين .

فمن قال بإثبات الاستواء والنزول ، وغيرهما من الأفعال القائمة بذاته ، المتعلقة بمشيئته وقدرته ، لا يقول : إن ذلك يدوم .

وكذلك أكثر القائلين بأن الله كلم موسى بنداء بصوت سمعه موسى ، والنداء بالصوت قائم بذات الله تعالى ، لا يقولون : إن ذلك النداء بعينه دائم أبدا ، ونظائره كثيرة .

وإذا كان كذلك ، فيقال: إما أن يكون بقاء الحادث الذي هو الحروف والأصوات ممكنا ، أو ممتنعا .

فإن كان ممكنا ، صح قول الكرامية . وإن كان ممتنعا ، صح قول من ينازعهم في دوام الحادث ويقول : إنه لا يبقى ، مع اتفاق الجميع على قيام الحوادث به .

وحينئذ فعلى التقديرين لا يلزم صحة قول المنازع النافي لقيام الحوادث به .

وأيضا فيقال: قول القائل: إنه يستحيل الجمع بين الحروف ، هو من موارد النزاع . فذهب طوائف إلى إمكان اجتماعها من القائلين بقدم الحروف ، والقائلين بحدوثها .

وهذا قول السالمية وغيرهم من القائلين باجتماعها مع قدمها ، وقول من قال باجتماعها مع حدوثها كالكرامية . [ ص: 112 ]

وقد قال بالأول : طوائف من أهل الحديث والفقه والكلام ، من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم .

وإذا كان هذا من موارد النزاع ، فإذا قال مثل هذا القائل: نحن نعلم استحالة اجتماع الحروف ، كما نعلم استحالة اجتماع الضدين كالسواد والبياض .

قيل له : فالذي تنصرهم أنت من الكلابية والأشعرية قالوا بأن المعاني، التي هي معاني الحروف المنتظمة ، هي معنى واحد في نفسه ، والأمر والنهي والخبر صفات لموصوف واحد ، فالذي هو الأمر هو الخبر ، والذي هو الخبر هو النهي، وقالوا: إن ذلك الواحد إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا ، وإن عبر عنه بالعبرية كان توراة ، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا .

ولا ريب أن جمهور العقلاء من الأولين والأخرين القائلين بأن القرآن غير مخلوق ، والقائلين بأنه مخلوق ، يقولون : إن فساد هذا القول معلوم بالضرورة من عدة أوجه :

منها: كون الأمر هو عين الخبر .

ومنها: كون الخبر عن الخالق بمثل آية الكرسي هو الخبر عن المخلوق بمثل تبت يدا أبي لهب وتب . [ ص: 113 ]

ومنها: كون معاني التوراة إذا عربت تكون معاني القرآن، إلى أمثال ذلك .

ولهذا لم يقل هذا القول من طوائف المسلمين ولا غير المسلمين إلا ابن كلاب ومن اتبعه .

وهذا القول يتضمن أن تكون المعاني المتنوعة معنى واحدا . ولو قال : إن المعاني التي للحروف يمكن اجتماعها في زمن واحد ، كان أقرب إلى المعقول من كونها معنى واحدا .

التالي السابق


الخدمات العلمية