الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة فقال الذي قضي عليه كيف أغرم ما لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل ومثل ذلك بطل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمإنما هذا من إخوان الكهان

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          1609 1554 [ ص: 288 ] ( مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ) مرسلا عند رواة الموطأ ووصله مطرف وأبو عاصم النبيل كلاهما عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة عن أبي هريرة ، قال ابن عبد البر : والحديث عند ابن شهاب عنهما جميعا عن أبي هريرة ، فطائفة من أصحابه يحدثون به عنه هكذا ، وطائفة يحدثون به عنه عن سعيد وحده عن أبي هريرة ، وطائفة عنه عن أبي سلمة وحده عن أبي هريرة ، ومالك أرسل عنه حديث سعيد هذا ووصل حديث أبي سلمة واقتصر فيهما على قصة الجنين دون قتل المرأة لما ذكرنا من العلة ، ولما شاء الله مما هو أعلم به انتهى .

                                                                                                          ومراده أرسله في رواية الأكثر وإلا فقد رواه النسائي عن الحارث بن مسكين عن ابن القاسم حدثني مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ) حكم ( في الجنين ) حال كونه ( يقتل في بطن أمه ) ذكر أو أنثى أو خنثى ولو مضغة أو علقة أو ما يعلم أنه ولد عند مالك ( بغرة ) بالتنوين ( عبد أو وليدة ) تقسيم لا شك يساوي كل واحد منهما عشر دية أمه كما يأتي ( فقال الذي قضي عليه ) بضم القاف وكسر الضاد بالغرة ، وفي رواية للبخاري : فقال ولي المرأة التي غرت بضم المعجمة ، وفتح الراء الثقيلة أي التي قضي عليها بالغرة ووليها هو ابنها مسروح رواه عبد الغني ، والأكثر أن القائل زوجها حمل بن النابغة الهذلي ، وللطبراني أنه عمران بن عويمر أخو مليكة ، قال الحافظ : فيحتمل تعدد القائلين ، فإسناد هذه صحيح أيضا انتهى .

                                                                                                          وفيه دلالة قوية لقول مالك وأصحابه ومن وافقهم أن الغرة على الجاني لا على العاقلة ، كما يقول أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما ; لأن المفهوم من اللفظ أن المقضي عليه واحد معين وهو الجاني ، إذ لو قضي بها على العاقلة لقيل فقال الذين قضي عليهم ، وفي القياس أن كل جانب جنايته عليه إلا بدليل لا معارض له كالإجماع أو السنة وقد قال تعالى : ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ( سورة الأنعام : الآية 164 ) وقال صلى الله عليه وسلم لأبي رمثة في ابنه : " إنك لا تجني عليه ولا يجني عليك " ولا ينافي ذلك اختلاف الروايات في تعيين القائل والجمع بينهما باحتمال تعدده ; لأن كلا تكلم عن المرأة الجانية كما في رواية البخاري بلفظ : فقال ولي المرأة التي غرمت فصرح بأن المرأة الجانية هي التي غرمت الغرة ، ولا يخالفه رواية غرت بضم الغين وفتح الراء مشددة وتاء ساكنة بلا ميم لأن معناها التي قضي عليها بغرم الغرة ( كيف أغرم ما لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل ) [ ص: 289 ] أي صاح عند الولادة وهو من إقامة الماضي مقام المضارع أي لم يشرب . . . . إلخ .

                                                                                                          ( ومثل ذلك بطل ) بموحدة وطاء مهملة مفتوحتين ولام خفيفة من البطلان ، وفي رواية يطل بتحتية مضمومة بدل الموحدة وشد اللام أي يهدر من الأفعال التي لا تستعمل إلا مبنية للمفعول ، قال المنذري : وأكثر الروايات بالموحدة وإن رجح الخطابي التحتية .

                                                                                                          ( فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إنما هذا من إخوان الكهان ) لمشابهة كلامه كلامهم ، زاد مسلم من أجل سجعه الذي سجع فيه فشبه بالإخوان ; لأن الأخوة تقتضي المشابهة ، وذمه ; لأنه أراد بسجعه دفع ما أوجبه - صلى الله عليه وسلم - ولم يعاقبه ؛ لأنه مأمور بالصفح عن الجاهلين وهو كان أعرابيا لا علم له بأحكام الدين ، فقال له قولا لينا وتلك سيمته أن يعرض عن الجاهلين ولا ينتقم لنفسه فلا دلالة فيه لمن زعم كراهة التسجيع مطلقا ، نعم ينكر على الإنسان الخطيب أو غيره أن يكون كلامه كله سجعا ، أما إذا كان أقل كلامه فليس بمعيب بل مستحسن محمود فإنه كلام ، وكذلك الشعر فحسنهما حسن وقبيحهما قبيح ، كالكلام المنثور كما دلت على ذلك الآثار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه ، وفيه حجة لقول مالك والشافعي وأصحابهما : تورث الغرة عن الجنين على فرائض الله ، تعالى ، واحتج الشافعي بقوله كيف أغرم . . . إلخ ، قال : فالمضمون لأن العضو لا يعترض فيه بهذا .

                                                                                                          وقال أبو حنيفة وأصحابه : تختص بها الأم ; لأنها بمنزلة قطع عضو من أعضائها وليست بدية إذ لم تعتبر فيها هل ذكر أو أنثى كالديات ، وكذا قال الظاهرية واحتج إمامهم داود بأن الغرة لم يملكها الجنين فتورث عنه ، ويرد عليه دية المقتول خطأ فإنه لم يملكها وهي تورث عنه قاله أبو عمر ملخصا ، وهذا الحديث رواه البخاري عن قتيبة عن مالك به مرسلا ففيه أن مراسيل مالك صحيحة عند البخاري .




                                                                                                          الخدمات العلمية