الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني عن مالك عن عطاء بن أبي مسلم عبد الله الخراساني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصافحوا يذهب الغل وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          1685 1635 - ( مالك عن عطاء بن أبي مسلم عبد الله ) وقيل : ميسرة ( الخراساني ) ابن عثمان صدوق لكنه يهم ويرسل ويدلس ، مات سنة خمس وثلاثين ومائة ، روى له مسلم وأصحاب السنن ، وحسبك برواية مالك عنه ( قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تصافحوا ) مفاعلة [ ص: 418 ] من الصفح والمراد بها هنا الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد ، قاله الحافظ .

                                                                                                          وقال الجوهري : المصافحة الأخذ باليد ، وفي المشارق : المصافحة بالأيدي عند السلام واللقاء وهي ضرب بعضها ببعض ( يذهب ) بكسر الباء مجزوم في جواب الأمر حرك بالكسر لالتقاء الساكنين وبالرفع ، أي : فبه يذهب ( الغل ) بكسر الغين المعجمة أي الحقد والضغانة ، قال المنذري : رواه مالك هكذا معضلا ، وقد أسند من طرق فيها مقال يشير إلى ما أخرجه ابن عدي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تصافحوا يذهب الغل من قلوبكم " وإلى ما أخرجه ابن عساكر عن أبي هريرة مرفوعا : " تهادوا تحابوا وتصافحوا يذهب الغل عنكم " فقول السيوطي : في المصافحة أحاديث موصولة بغير هذا اللفظ عجيب مع أنه نفسه ذكره في جامعه .

                                                                                                          وقال ابن المبارك : حديث مالك جيد .

                                                                                                          وقال ابن عبد البر : هذا يتصل من وجوه شتى حسان كلها ، ثم ذكره بأسانيده جملة منها في المصافحة بغير هذا اللفظ ، فكأن السيوطي اغتر به وغفل عما في جامعه والكمال لله .

                                                                                                          قال أبو عمر : روى ابن وهب وغيره عن مالك كراهة المصافحة والمعانقة وبه قال سحنون وغيره .

                                                                                                          وروي عن مالك خلافه وهو الذي يدل عليه معنى ما في الموطأ وعلى جوازه جماعة العلماء سلفا وخلفا ، وفيه آثار حسان ، ( وتهادوا ) بفتح الدال وإسكان الواو تحابوا ، قال الحافظ للحاكم : إن كان بالتشديد فمن المحبة وإن كان بالتخفيف فمن المحاباة ، وذلك لأن الهدية خلق من أخلاق الإسلام دلت عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وحث عليه خلفاؤهم الأولياء تؤلف القلوب وتنفي سخائم الصدور ، وقبول الهدية سنة لكن الأولى ترك ما فيه منة .

                                                                                                          وأخرج البخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى والنسائي في الكنى وابن عبد البر في التمهيد بإسناد حسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : تهادوا ( تحابوا وتذهب الشحناء ) بشين معجمة مفتوحة وحاء مهملة ساكنة ونون والمد ، العداوة ; لأن الهدية جالبة للرضا والمودة فتذهب العداوة .

                                                                                                          ولأحمد والترمذي عن أبي هريرة مرفوعا : " تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدر " بواو فمهملة مفتوحتين فراء ، أي : غله وغشه وحقده .

                                                                                                          وللبيهقي عن أنس وابن عبد البر عن أم سلمة تهادوا فإن الهدية تذهب بالسخيمة " قال يونس بن زيد : هي الغل .

                                                                                                          وعن معاوية بن الحكم : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تهادوا فإنه يضعف الود ويذهب بغوائل الصدر " وأخرجه الدارقطني من طريق محمد بن عبد الرحمن بن بحر عن أبيه عن مالك عن الزهري عن أبي سلمة عن معاوية به ، وقال : تفرد به محمد عن أبيه ولم يكن بالرضي ولا يصح عن مالك ولا عن الزهري انتهى .

                                                                                                          لكن له شواهد عند الطبراني في الكبير عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية مرفوعا بلفظ : " فإن الهدية تضعف الحب والباقي سواء " وتضعف بالتثقيل ، أي : تزيده وقد أحسن القائل : [ ص: 419 ]

                                                                                                          هدايا الناس بعضهم لبعض تولد في قلوبهم الوصالا وتزرع في الضمير هوى وودا
                                                                                                          ‌‌‌‌‌‌‌وتكسوهم إذا حضروا جمالا

                                                                                                          وقال آخر :

                                                                                                          إن الهدايا لها حفظ إذا وردت أحظى من الابن عند الوالد الحدب

                                                                                                          وأخرج ابن عبد البر من طريق أبي مصعب عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال : " اجتمع علي وأبو بكر وعمر وأبو عبيدة فتماروا في أشياء فقال علي : انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسأله ، فلما وقفوا عليه قالوا : يا رسول الله جئنا نسألك ، قال : إن شئتم سلوني ، وإن شئتم أخبرتكم بما جئتم له ، قالوا : أخبرنا ، قال : جئتم تسألوني عن الصنيعة لمن تكون ؟ ولا ينبغي أن تكون إلا لذي حسب أو دين ، وجئتم تسألوني عن الرزق يجلبه الله على العبد فاستنزلوه بالصدقة ، وجئتم تسألوني عن جهاد الضعيف ، وجهاد الضعيف الحج والعمرة ، وجئتم تسألوني عن جهاد المرأة ، وجهاد المرأة حسن التبعل لزوجها ، وجئتم تسألوني عن الرزق من أين أتى وكيف يأتي ؟ أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب " قال أبو عمر : حديث حسن لكنه منكر عن مالك عندهم ولا يصح عنه ولا له أصل في حديثه انتهى .

                                                                                                          ولعل مراده أن متنه حسن وإن كان سنده المذكور لا يصح عن مالك وإلا فالجمع بين حسن وبين منكر لا يصح تناف ، أو مراده حسن اللفظ وهو بعيد .




                                                                                                          الخدمات العلمية