الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                              صفحة جزء
                                                                                              4086 [ 2144 ] وعن عاصم بن عمر بن قتادة قال: جاءنا جابر بن عبد الله في أهلنا ورجل يشتكي خراجا به أو جراحا، فقال: ما تشتكي؟ قال: خراج بي قد شق علي! فقال: يا غلام، ائتني بحجام! فقال له: ما تصنع بالحجام يا أبا عبد الله؟ قال: إني أريد أن أعلق فيه محجما. قال: والله إن الذباب ليصيبني، أو يصيبني الثوب فيؤذيني ويشق علي! فلما رأى تبرمه من ذلك قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة من عسل أو لذعة بنار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما أحب أن أكتوي! قال: فجاء بحجام فشرطه، فذهب عنه ما يجد.

                                                                                              وفي رواية قال: لا أبرح حتى تحتجم; فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن فيه شفاء.

                                                                                              رواه أحمد (3 \ 335) والبخاري (5697) ومسلم (2205) (70 و 71). [ ص: 594 ]

                                                                                              التالي السابق


                                                                                              [ ص: 594 ] وقوله صلى الله عليه وسلم: " إن كان في أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار " يعني بالخير الشفاء، والمحجم: هو الوعاء الذي يجمع به موضع الحجامة ويجتمع فيه الدم، وهو جمع واحده محجمة، وهي بكسر الميم، وقد يقال على الحديدة التي يشرط بها وهي المعنية هنا.

                                                                                              وجاء هذا الحديث هنا بصيغة الاشتراط من غير تحقيق الأخبار، وقد جاء في البخاري من حديث ابن عباس مرفوعا "الشفاء في ثلاث" وذكرها، فحقق الخبر.

                                                                                              قال بعض علمائنا: أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع ضروب المعاناة القياسية، وذلك أن العلل منها ما يكون مفهوم السبب ومنها ما لا يكون كذلك، فالأول كغلبة أحد الأخلاط التي هي الدم والبلغم والصفراء والسوداء، فمعالجة ذلك باستفراغ ذلك الامتلاء بما يليق به من تلك الأمور المذكورات في الحديث، فمنها ما يستفرغ بإخراج الدم بالشرط وفي معناه الفصد والبط والعلق، ومنها ما يستفرغ بالعسل وما في معناه من الأدوية المسهلة، ومنها ما يستفرغ بالكي فإنه يجفف رطوبات موضع المرض وهو آخر الطب.

                                                                                              وأما ما كان من العلل عن ضعف قوة من القوى فعلاجه بما يقوي تلك القوة من الأشربة، ومن أنفعها في ذلك العسل إذا استعمل على وجهه، وأما ما كان من العلل غير مفهوم السبب فكالسحر والعين ونظرة الجن فعلاجه بالرقى والكلام الحسن وأنواع من الخواص مغيبة السر، ولهذا القسم أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما روي عنه أنه زاد في هذا الحديث "أو آية من كتاب الله" زيادة على ما ذكر فيما تقدم منه.

                                                                                              [ ص: 595 ] قلت: هذا معنى ما قاله علماؤنا، ويمكن أن يقال: إن هذه المذكورات في هذا الحديث إنما خصت بالذكر لأنها كانت أغلب أدويتهم وأنفع لهم من غيرها بحكم اعتيادهم لها ومناسبتها لغالب أمراضهم، ولا يلزم أن تكون كذلك في حق غيرهم ممن يخالفهم في بلادهم وعاداتهم وأهويتهم، ومن المعلوم بالمشاهدة اختلاف العلاجات والأدوية بحسب اختلاف البلاد والعادات وإن اتحدت أسباب الأمراض، والله تعالى أعلم.

                                                                                              وقوله: " وما أحب أن أكتوي " وفي لفظ البخاري " وأنا أنهى أمتي عن الكي " إنما كان ذلك لشدة ألم الكي فإنه يربي على ألم المرض، ولذلك لا يرجع إليه إلا عند العجز عن الشفاء بغيره من الأدوية. وأيضا: فلأنه يشبه التعذيب بعذاب الله الذي نهي عنه، وقد تقدم القول في هذا في الإيمان.




                                                                                              الخدمات العلمية