الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                            مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

                                                                                                                            الحطاب - محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعينى

                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ص ( وللخنثى المشكل نصف نصيبي ذكر وأنثى )

                                                                                                                            ش : تقدم أن من موانع الإرث الشك وهو أقسام الأول : في تأخر موت أحدهما عن الآخر الثاني في الوجود والكلام على الخنثى من وجوه : الأول : في ضبطه وهو بضم الخاء المعجمة ، وسكون النون وبالثاء المثلثة وبعدها ألف تأنيب مقصورة ، والضمائر الراجعة إلى الخنثى مذكرة ، وإن بانت أنوثته ; لأن مدلولة شخص صفته كذا وكذا ، وجمعه خناثى وخناث .

                                                                                                                            الثاني : في اشتقاقه وهو مأخوذ من قولهم : خنث الطعام إذا اشتبه أمره فلم يخلص طعمه المقصود .

                                                                                                                            الثالث : في بيان معناه قال في الصحاح : الخنثى الذي له ما للرجال ، والنساء جميعا انتهى . وقال الفقهاء : هو من له ذكر الرجال ، وفرج النساء وهذا هو الأشهر فيه ، وقيل : إنه يوجد منه نوع آخر ليس له واحد منهما ، وإنما له ثقب بين فخذيه يبول منه لا يشبه واحدا من الفرجين .

                                                                                                                            الرابع : في أقسامه ، والخنثى على قسمين : مشكل ، وواضح فأما من ليس له واحد من فرجي الرجال والنساء ، فقال الشافعية : هو مشكل أبدا ، وأما على مذهبنا فيمكن أن يكون واضحا بأن تنبت له لحية أو ثدي ، وأما من له الآلتان فإن ظهرت فيه علامات الرجال حكم بذكوريته ، وإن ظهرت فيه علامات النساء حكم بأنوثته ويسمى من ظهرت فيه إحدى العلامتين واضحا ، وإن وجدت فيه العلامات واستوت فيه فهو مشكل فتحصل من هذا أن المشكل نوعان : نوع له الآلتان واستوت فيه العلامات ، ونوع ليس له واحدة من الآلتين ، وإنما له ثقب كما تقدم .

                                                                                                                            الخامس : في وجود الخنثى أما الواضح فموجود بلا خلاف واختلف في وجود الخنثى المشكل ، فالجمهور على إمكان وجوده ووقوعه وعلى ذلك بنى أهل الفرائض ، والفقهاء مسائل هذا الباب وذهب الحسن البصري من التابعين ، والقاضي إسماعيل من المالكية إلى أنه لا يوجد خنثى مشكل قال الحسن : لم يكن الله عز وجل يضيق على عبد من عبيده حتى لا يدري أذكر هو أم أنثى ، وقال القاضي إسماعيل : لا بد له من علامة تزيل إشكاله .

                                                                                                                            السادس : في أن الخنثى المشكل خلق ثالث مغاير للذكر والأنثى أو هو أحدهما لكن أشكل علينا واستدل على ذلك بقوله : { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى } ، فلو كان هناك ثالث لذكره ; لأن الآية سيقت للامتنان ، قال العقباني ولقائل أن يقول : إن الآية إنما سيقت للرد على الزاعمين أن لله تعالى ولدا فمنهم من زعم أن له ولدا ذكرا ، ومنهم من زعم أن له بنات فرد الله عليهم بأنه خلق النوعين فكيف يكون له منهما ولد ، وهو [ ص: 425 ] الخالق لهما ولم يزعم أحد أن له ولدا خنثى فلم يحتج في الرد عليهم إلى ذكر الخنثى ، واستدل أيضا بقوله { وبث منهما رجالا كثيرا ونساء } ، وبقوله { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور } قالوا فلو كان هناك خلق ثالث لذكره انتهى .

                                                                                                                            والجواب الواضح هو ما يأتي في السابع من أن الجمهور على أن الخنثى من أحد الصنفين ولكن خفيت علينا علامته فتأمله وخرج العقباني في شرح الحوفي من القول بأنه لا ميراث له إنه صنف ثالث ، قال إذ لو كان لا يخلو عن أن يكون ذكرا أو أنثى لما حرمه الميراث ولو لم يكن إلا أقل الميراثين ; لأنه مقطوع باستحقاقه غير أن هذا القول نقل ابن حزم الإجماع على خلافه وظاهر كلام الأئمة أنه ليس خلقا ثالثا انتهى .

                                                                                                                            ( السابع ) في ذكر أول من حكم فيه في الجاهلية والإسلام قال عبد الحق في تهذيب الطالب عن بعض شيوخه في النكاح الثاني منه ، ونقله ابن عرفة : أن أول من حكم فيه عامر بن الظرب في الجاهلية نزلت به قضيته فسهر ليلته ، فقالت له خادمته سخيلة راعية غنمه ما أسهرك يا سيدي ؟ قال : لا تسألي عما لا علم لك به ليس هذا من رعي الغنم فذهبت ، ثم عادت ، وأعادت السؤال فأعاد جوابه فراجعته ، وقالت لعل عندي مخرجا فأخبرها بما نزل به من أمر الخنثى فقالت : " أتبع الحكم المبال " ففرح وزال غمه زاد المتيطي ، وكان الحكم إليه في الجاهلية واحتكموا إليه في ميراث خنثى فلما أخبرته بذلك حكم به الجوهري والظرب : بالظاء المعجمة ، وكسر الراء واحد الظراب وهي الروابض الصغار منه عامر بن الظرب العدواني أحد فرسان العرب عبد الحق وغيره ، ثم حكم به في الإسلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه انتهى .

                                                                                                                            باختصار ابن عرفة ويريد بما ذكر عن الجوهري أن الظرب بالظاء لا بالضاد كما يقوله ويكتبه كثير من الناس ، وقوله : " أحد فرسان العرب " كذا في بعض نسخ الصحاح وفي بعض النسخ الصحيحة المقروءة على أئمة اللغة أحد حكام العرب ولفظ : عبد الحق في التهذيب بعد ذكر قصة عامر ، ثم حكم فيه علي بن أبي طالب في الإسلام بهذا الحكم بأن جعل الحكم للمبال ، وهو أول من حكم بها في الإسلام انتهى .

                                                                                                                            وقال في التنبيهات كان عامر حاكم العرب فأتوه في ميراث خنثى فأقاموا عنده أربعين يوما ، وهو يذبح لهم كل يوم وكانت له أمة يقال لها سخيلة فقالت : إن مقام هؤلاء أسرع في غنمك فقال : ويحك لم تشكل علي حكومة قط غير هذه ، فقالت له : أتبع الحكم المبال ، قال : فرجتها يا سخيلة فصارت مثلا قال : الأذرعي وفي ذلك عبرة ومزدجر لجهلة قضاة الزمان ومفتييه فإن هذا مشرك توقف في حكم حادثة أربعين يوما ، ولا قوة إلا بالله انتهى . من شرح شيخنا زكرياء للفصول .

                                                                                                                            ( قلت ) وفيه عبرة من جهة أخرى وهي أن الحكمة قد يخلقها العلي ويجريها على لسان من لا يظن به معرفتها ، وأنه ، وإن عجز عن إدراكها أصحاب الفطنة والعقول المستعدة لذلك فقد يجريها الله على لسان من لم يستعد لها ، والله الموفق .

                                                                                                                            وذكر ابن إسحاق القصة في السيرة قبل الكلام على استيلاء قصي على أمر مكة ، فقال أمر عامر بن الظرب بن عمر بن شكير بن عدوان العدواني كانت العرب لا يكون بينها ثائرة ولا عضلة في قضاء إلا أسندوا ذلك إليه ، ثم رضوا بما قضى فيه فاختصموا إليه في خنثى له ما للرجل وما للمرأة ، فقال حتى أنظر في أمركم فوالله ما نزل بي مثل هذه منكم يا معشر العرب فبات ليلته ساهرا يقلب في أمره ، وينظر في شأنه لا يتوجه له فيه وجه وكانت له جارية يقال لها سخيلة ترعى عليه غنمه فكان يعاتبها إذا سرحت فيقول : أصبحت والله يا سخيل وإذا أراحت عليه ، قال أمسيت والله يا سخيل وذلك أنها كانت تؤخر حتى يسبقها بعض الناس وتؤخر الإراحة حتى يسبقها بعض الناس فلما رأت سهره وقلة قراره على فراشه قالت له : ما لك لا أبا لك ما عراك في ليلتك هذه ، فقال [ ص: 426 ] ويلك دعيني أمر ليس من شأنك ، ثم عادت له بمثل قولها ، فقال في نفسه : عسى أن تأتي بفرج ، فقال : ويحك اختصم إلي في ميراث خنثى فوالله ما أدري ما أصنع ، فقالت : سبحان الله لا أبا لك أتبع القضاء المبال أقعده فإن بال من حيث يبول الرجل فرجل ، وإن بال من حيث تبول المرأة فهو امرأة ، فقال أمسي سخيل بعدها أو صبحي فرجتها والله ، ثم خرج على الناس حين أصبح فقضى بالذي أشارت عليه انتهى .

                                                                                                                            قال أبو القاسم السهيلي المالكي في الروض الأنف ، وذكر يعني ابن إسحاق عامر بن الظرب وحكمه في الخنثى وما أفتت به جاريته سخيلة وهو حكم معمول به في الشرع وهو من باب الاستدلال بالأمارات ، والعلامات وله أصل في الشريعة قال الله تعالى : { وجاءوا على قميصه بدم كذب } وجه الدلالة أن القميص المدمى لم يكن فيه خرق ولا أثر أنياب ذئب ، وكذا قوله { إن كان قميصه قد من قبل } ، والله أعلم .

                                                                                                                            ( الثامن ) في ميراثه اختلف العلماء في ذلك على أحد عشر قولا ( الأول ) وهو المشهور أنه يجب له نصف الميراثين على طريقة ذكر الأحوال أو ما يساويها من الأعمال على أن يضعف لكل مشكل بعدد أحوال من معه من المشكلين ( الثاني ) لابن حبيب إن كان وارث من الخنثى وغيره يضرب في المال بأكثر مما يستحق فيقتسمونه على طريقة عول الفرائض فإذا كان ولدان ذكر وخنثى ضرب الذكر بالثلثين ; لأنه أكثر ما يدعي وضرب الخنثى بالنصف ; لأنه أكثر ما يدعي ( الثالث ) لابن حبيب أيضا أنه يأخذ ثلاثة أرباع المال فأقل فإن كان معه غيره ممن ليس بمشكل فإنه يضرب بثلاثة أرباع ما يضرب الذكر فإن كان وحده ليس معه إلا من يحجبه لو كان ذكرا أخذ ثلاثة أرباع المال وأخذ العاصب الربع ، وإن كان معه ابن ضرب الخنثى بثلاثة أرباع النصف إذ النصف أكثر ميراثه فإن كان معه اثنان ضرب بثلاثة أرباع الثلث ، وإن كان معه بنت ضرب بثلاثة أرباع الثلثين .

                                                                                                                            ( الرابع ) ما حكي عن مالك أنه قال هو ذكر زاده الله فرجا تغليبا لجانب الذكورية قال وقد غلب جانب الذكورية مع الانفصال يعني في الخطاب لو كان المخاطب رجلا واحدا وألف امرأة لخوطب الجميع خطاب الذكور ، فكيف وهو هنا متصل والصحيح أنه لم يصح عن مالك فيه شيء قال الحوفي قال ابن القاسم : لم يكن أحد يجترئ أن يسأل مالكا عن الخنثى المشكل قال العقباني انظر ما الذي هابوه من سؤال مالك عن الخنثى انتهى . ولفظ المدونة ما اجترأت على سؤال مالك عنه انتهى .

                                                                                                                            ( الخامس ) كالمشهور في غير مسائل العول ، وأما مسائل العول فينظر كم التقادير في المسألة وكم تقادير العول فيها ويؤخذ بتلك النسبة من العول فيجعل عول المسألة . مثال ذلك عول الغراء ثلاثة فلو فرضنا الأخت فيها خنثى فإنما يحصل العول في حالة التأنيث فقط فللعول تعديل واحد ونسبته إلى حال الخنثى النصف فيؤخذ نصف العول ويجعل ذلك عول المسألة فتكون مسألة التأنيث فيها عائلة إلى سبعة ونصف ، وسيأتي كيفية حسابه ، مثاله الغراء المتقدمة زوج وأم وجد وأخت خنثى مشكل فتقدير الذكورة المسألة من ستة بلا عول ويسقط الأخ ، وبتقدير الأنوثة المسألة من ستة ، وتعول لتسعة وتصح من سبعة وعشرين والستة والسبعة والعشرون متوافقان بالثلث ، فتضرب اثنين في سبعة وعشرين فتصح المسألتان من أربعة وخمسين فتضربها في حالي الخنثى تبلغ مائة وثمانية فعلى تقدير التذكير : للزوج النصف : [ أربعة وخمسون ] ، وللأم الثلث : [ ستة وثلاثون ] ، وللجد السدس : [ ثمانية عشر ] .

                                                                                                                            وعلى التأنيث للزوج [ ستة وثلاثون ] ، وللأم [ أربعة وعشرون ] ، وللجد [ اثنان وثلاثون ] ، وللخنثى [ ستة عشر ] فيجتمع للزوج تسعون له نصفها وللأم ستون لها نصفها وللجد خمسون له نصفها وللخنثى ستة عشر له نصفها وعلى هذا القول تعول مسألة التذكير من ستة [ ص: 427 ] ومسألة التأنيث من سبعة ونصف ; لأن العول ثلاثة يؤخذ نصفها وذلك نسبة حالة العول إلى حالتي المسألة .

                                                                                                                            ( السادس ) مثل الخامس إلا أنه يقول في الغراء : إنما يضم الجد إلى سهام الأخت نصف سهامه ; لأنه يقول : إنما أضم جملة سهامي إلى جملة سهامك وأنت لم تستوفي جملة سهامك .

                                                                                                                            ( السابع ) أن المال يقسم على أقل ما يدعيه كل واحد إلا أنه مختص بما إذا لم يؤد إلى سقوط أحد من الطالبين .

                                                                                                                            ( الثامن ) مذهب الشافعي أنه يعطي كل واحد من الورثة الخنثى وغيره أقل ما يستحقه ومن سقط في بعض التقادير لم يعط شيئا ويوقف في المشكوك فيه كما في المفقود حتى يتبين أمره أو يصطلحوا على شيء .

                                                                                                                            ( التاسع ) مذهب أبي حنيفة أنه يعطي الخنثى أقل ما يجب له ، ويعطي غيره أكثر ما يجب له ولا إيقاف .

                                                                                                                            ( العاشر ) مثل الأول إلا أن الأحوال لا تتعدد بتعدد المشكلين ، بل يقتصر على حالين فقط ، وهو قول الثوري وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وعن أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة وعن محمد مثل القول الأول ( الحادي عشر ) أنه لا شيء له ، وأنه لا يرث شيئا وهذا القول نقله الغزالي وحكى ابن حزم الإجماع على خلافه ، والله أعلم .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية