الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية

ابن تيمية - أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

صفحة جزء
والسلف تكلموا في معنى الاستواء الذي قال ربيعة ومالك وغيرهما أنه معلوم، وقد ذكرت ألفاظهم في غير هذا الموضع، وقد قال بعضهم: مذهب السلف أو إجماعهم منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية كما ذكر أبو الفرج بن الجوزي في تفسيره فقال: قال الخليل بن [ ص: 298 ] أحمد: "العرش السرير، وكل سرير للملك يسمى عرشا" قال: واعلم أن ذكر العرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام.

قال أمية بن أبي الصلت:


مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا     بالبناء الأعلى الذي سبق النا
س وسوى فوق السماء سريرا     شرجعا ما يناله بصر العيـ
ـن يرى دونه الملائك صورا

[ ص: 299 ] وقال كعب: "إن السموات في العرش كقنديل معلق بين السماء والأرض" قال: وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية، وقد شذ قوم فقالوا: العرش بمعنى الملك، وهذا عدول عن الحقيقة إلى التجوز مع مخالفة الأثر، ألم يسمعوا قوله تعالى: وكان عرشه على الماء [هود: 7]. أتراه كان الملك على الماء؟

وقال بعضهم: استوى بمعنى استولى، واستدل بقول الشاعر:


قد استوى بشر على العراق     من غير سيف أو دم مهراق

[ ص: 300 ] قال: وهذا منكر عند أهل اللغة، قال ابن الأعرابي: لا نعلم استوى بمعنى استولى، ومن قال ذلك فقد أعظم الفرية، قال: وإنما يقول استولى فلان على كذا، إذا كان بعيدا منه غير متمكن منه ثم تمكن، والله عز وجل لم يزل مستوليا على الأشياء، وهذا البيت لا يعرف قائله، كذا قال [ ص: 301 ] ابن فارس اللغوي: ولو صح فلا حجة فيه لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليا، فنعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة.

وقائل هذا القول: "إن إجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية".

إن أراد به أنهم: لا ينفون ما دلت عليه، وما ذكر فيها بتأويلات النفاة مثل قولهم: العرش: الملك، أو استوى بمعنى: استولى، ونحو ذلك، فهم ينكرونه، فهذا صحيح.

وإن أراد أن السلف لم يكونوا يعلمون معنى الاستواء ولا فسروه، فهذا باطل، خلاف المنقول المتواتر عنهم، مثل قول ربيعة ومالك لما قيل لهم الرحمن على العرش استوى [ ص: 302 ] [طه 5]. كيف استوى؟ فقال مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيف بدعة".

وذكر البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد: لما ذكر الاستواء قال أبو العالية: "استوى إلى السماء: ارتفع فسوى خلقهن" وقال مجاهد: استوى على العرش: علا على العرش.

وهذا مما رواه أهل التفسير، فروى ابن أبي حاتم وغيره بالإسناد المعروف عن أبي العالية في قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء [البقرة: 29]. قال: ارتفع. قال: [ ص: 303 ] وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله. وفي قوله تعالى: فسواهن [البقرة: 29]. قال: سوى خلقهن، وأعاد ذلك في قوله تعالى: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54].

وروي عن قتادة أنه قال: "استوى على العرش في اليوم السابع" قال: وروي عن محمد بن إسحاق مثل ذلك، قلت: وكذلك رواه الشافعي في مسنده في فضل يوم [ ص: 304 ] الجمعة أنه اليوم الذي استوى الله فيه على العرش، وقال البغوي في قوله تعالى: ثم استوى إلى السماء [البقرة: 29]. قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: ثم ارتفع إلى السماء.

وقال البغوي أيضا في قوله تعالى: ثم استوى على العرش [الأعراف: 54]. قال الكلبي ومقاتل: استقر.

وقال أبو عبيدة: صعد. [ ص: 305 ]

وذكر غيره عن الخليل بن أحمد مثل قول أبي عبيدة أنه بمعنى صعد وارتفع، وذكر شاهده من كلام العرب، وذكروا عن ابن عباس أنه قال: استوى: استقر، وكذلك قال ابن قتيبة وغيره.

وقد زعم بعضهم أن معنى قولهم: الاستواء معلوم، أن مجيء لفظ الاستواء في القرآن معلوم، وهذا باطل، فإن كونه في القرآن أمر ظاهر يعرفه جميع الناس، لا يسأل عنه، ولكن السائل لما قال: كيف استوى؟ سأل عن الكيفية، فبينوا له أن الكيفية لا نعلمها نحن، ولكن نعلم معنى الاستواء، فدل على ثبوت كيفية في نفس الأمر غير معلومة لنا.

وكذلك قال ابن الماجشون وأحمد بن حنبل وغيرهما، ولو قدر أن الكيفية منتفية فلا تنفى الكيفية عن معدوم، فلو لم يكن أن ثم استواء ثابت في نفس الأمر لم يجز نفي الكيفية عنه، ولو كان المراد الاستيلاء ونحوه لم يحتج أن يقال في ذلك: والكيف مجهول أو معلوم، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.

التالي السابق


الخدمات العلمية