الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          معلومات الكتاب

          الفساد المالي والإداري - رؤية إسلامية - في الوقاية والعلاج

          الأستاذ / أمين نعمان الصلاحي

          المبحث التاسع

          تفعيل الرقابة والمساءلة الحكومية

          أصبح الجميع يدرك في أيامنا هذه أهمية وجود رقابة ومساءلة حكومية فاعلة لمكافحة الفساد المالي والإداري، وانطلاقا من هذا الإدراك بادرت الحكومات إلى إنشاء أجهزة وهيئات مختصة بالرقابة والمساءلة، وشاع مبدأ: (من أين لك هذا؟) حتى أصبح شعارا يرفع في مواجهة الفساد المالي والإداري، وعنوانا يختزل أهمية الرقابة والمساءلة في مكافحة استغلال الوظيفة العامة لتحقيق الإثراء غير المشروع.

          وإذا رجعنا إلى الخبرة والتجربة الإسلامية في مجال مكافحة الفساد المالي والإداري سنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من أرسى مبدأ: (من أين لك هذا؟) ، فعن أبي حميد الساعدي، رضي الله عنه، قال:

          "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا إلى اليمن، فجاء بسواد كثير [1] ، فلما أرسل إليه ليتوفى ما جاء به جعل يقول: هذا لي، وهذا لكم!

          [ ص: 141 ] قالوا: من أين لك هذا؟ قال: أهدي إلي!

          فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقام على المنبر، فقال:

          "ما بال رجال نبعثهم على أعمال فيجيء أحدهم بسواد كثير، فإذا أرسلت إليه من يتوفاه [يحاسبه ويأخذ ما جاء به] قال: هذا لي وهذا لكم.. فإن سئل: من أين لك هذا؟ قال: أهدي إلي!!

          فهلا إذا كان صادقا أهدي له ذلك وهو في بيت أبيه أو في بيت أمه..." [2] .

          وقد سـار الخلفاء الراشـدون، رضي الله عنهم، على منهج النبي صـلى الله عليه وسلم في تطبيق مبدأ: (من أين لك هذا؟) على العاملين في الدولة، واشتهر عن الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، تطبيقه لهذا المبدأ بكل عـزم وحزم، وله في ذلك مواقف معروفة مشهورة، وقد ذكرنا في المباحث السابقة عددا منها.

          ونذكر هنا موقفه مع خـالد بن الوليد، رضـي الله عنـه، لما بلغـه أن الأشعث بن قيس قصد خالدا ومدحه فكافأه خالد بعشـرة آلاف درهم، فكتب إلى أبي عبيدة، وكان خالد حينها تحت إمرة أبي عبيدة، أن يقيل خالدا من عمله حتى يعلمهم من أين كافأ الأشـعث: من مال الله [ ص: 142 ] (من المال العام) أم من ماله؟ فإن كانت المكافأة من مال الله فقد أقر بالخيانة، وإن كانت من ماله فقد أسرف!

          وتم التحقيق مع خالد، رضي الله عنه، فأقر أنها من ماله، فأمر عمر بعزله، وبمقاسمة أمواله؛ أي مصادرة نصف أمواله إلى بيت المال [3] .

          إن الاختيار الجيد للموظفين والرقابة الدائمة عليهم والشفافية الكاملة في محاسبتهم هي الركائز والأسس، التي يقوم عليها صلاح الجهاز الإداري والمالي في الدولة، وقد كانت هذه الركائز والأسس مدركة وواضحة لدى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كما يدل على ذلك قوله:

          "أرأيتم إذا اسـتعملت عليكم خير من أعلم، ثم أمـرته بالعدل، أقضـيت ما علي؟ قالوا: نعـم.. قال: لا، حتى أنظـر في عمـله، أعمل بما أمرته أم لا" [4] .

          ولأهمية الوظائف الرقابية يجب الحرص الشديد في اختيار القائمين عليها، فلا يكلف بها إلا المشـهود لهم بالصـدق والنزاهة والكفـاءة.. [ ص: 143 ] وفي وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، إلى عامله على مصر الأشتر النخعي نقرأ هذه الوصية في مراقبة الموظفين وصفات القائمين بالوظائف الرقابية:

          "ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم" [5] .

          وقد كان الخليفة عمر، رضي الله عنه "يتتبع أخبار الولاة بطرق وأسـاليب عدة، جميعها في غاية الموضـوعية والحيـاد والنـزاهة، فقد كان ما يسمى بالوفود المرسلة من الأقطار للتعرف على أخبار الولاة والأمراء في الأمصار..

          وهنا أسـلوب البريد المفتوح على الولاة دون تدخل العمـال والأمـراء فيه..

          وهناك المفتش العام، وهو ما يشبه في هذا العصر أجهزة الرقابة والمحاسبة، حيث كان يقوم الخليفة بإرسال من يثق به للتفتيش على أعمال الولاة ومحاسبتهم والتأكد من الشـكاوي، التي تأتي ضدهم من الرعية، وهذا ما فعله عمر حينما أرسل محمد بن مسـلمة، رضي الله عنه، إلى عدد من الأمصار..

          [ ص: 144 ] كما أن موسم الحج كان أسلوبا آخر لمعرفة أخبار الولاة عن طريق الثقات والرقباء، الذين وضعهم في كل الأمصار" [6] .

          وهكذا نرى أن السياسة الوقائية الإسلامية في مكافحة الفساد المالي والإداري لم تعول على الوازع الديني فقط، ولا على يقظة الضمير لوحده، ولكنها أرست عمليا مبدأ الرقابة والمساءلة والمحاسبة؛ لأنها تدرك أن الإنسان مهما كان صلاحه وتقواه فليس بمعصوم من الوقوع في الخطأ والزلل.

          وقد أدركت الدول المعاصرة أهمية تحويل مبدأ المساءلة والمحاسبة إلى عمل مؤسسي في مكافحة الفساد المالي والإداري، ومع أن الآليات والأجهزة التنفيذية قد تختلف من دولة إلى دولة، ومن عصر إلى عصر، لكن يبقى جوهر الفكرة واحد، وهو ضرورة وجود رقابة فاعلة ومساءلة حقيقية تقوم بها الدولة تجاه موظفيها كافة، بدءا من رئيس الدولة، وانتهاء بشاغلي الوظائف الصغرى، وذلك لضمان سير الجهاز الإداري والمالي للدولة طبقا للدستور والقانون واللوائح المنظمة للعمل، ولمنع أي تجاوزات أو ممارسات فاسدة، ولإحالة مرتكبيها -حال وقوعها- إلى القضاء.

          [ ص: 145 ]

          التالي السابق


          الخدمات العلمية