الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          معلومات الكتاب

          الفساد المالي والإداري - رؤية إسلامية - في الوقاية والعلاج

          الأستاذ / أمين نعمان الصلاحي

          المبحث الرابع

          مخاطر الفساد المالي والإداري

          وآثاره في الحياة العامة

          يخطئ خطأ بالغا من يتصور أن الفساد المالي والإداري محدود الآثار، أو أن آثاره تقتصر على دوائر الممارسة الضيقة، وهذا القصور في الوعي يمكن أن يضاف إلى أسباب انتشار واستفحال الفساد المالي والإداري في بعض البلدان، وفي مواجهة ذلك يصبح من الضروري جدا الاهتمام بخلق رأي عام يعي المخاطر والآثار السلبية الناجمة عن الفساد المالي والإداري.

          إن الوعي بالمخاطر الناشئة والآثار السيئة الناجمة عن ممارسة الفساد المالي والإداري، وخلق رأي عام حول تلك المخاطر والآثار يعد مقدمة ضرورية لإشراك المجتمع في محاربة ظاهرة الفساد، بحيث تصبح مسؤولية محاربة الفساد مسؤولية وطنية عامة، وتنشأ حالة من التضامن المجتمعي في مواجهة الفساد والتصدي له، وبهذا يتكامل هذا الدور المجتمعي مع دور الأجهزة المختصة بمكافحة الفساد في الدولة.

          ونذكر هنا أهم المخاطر والآثار التي يجب الوعي بها واستحضارها في معركة مكافحة الفساد المالي والإداري، وهي:

          [ ص: 40 ] 1- إفساد قيم وأخلاقيات المجتمع:

          للعمل أخلاقياته وقيمه التي يقوم عليها، وأهمها: الإخلاص، والأمانة، والنزاهة، والإتقان. وهذه الأخلاقيات تشكل الأسس المعيارية للصلاح والاستقامة في الحياة عموما، وفي الحياة المهنية على وجه الخصوص.

          وخطورة الفساد المالي والإداري تكمن في تدميره لتلك الأخلاقيات والقيم، فالموظف الذي ينغمس في الفساد المالي والإداري، لا تسل عن إخلاصه أو أمانته أو نزاهته أو إتقانه لعمله، فهذه الأخلاقيات والقيم كلها تصبح في خبر كان!

          وهنا يظهر أثر من أشد الآثار خطورة، حيث يتم ضرب منظومة القيم الاجتماعية الصالحة وإزاحتها، وإحلال قيم أخرى فاسدة محلها.

          ويمتد أثر الفسـاد المالي والإداري إلى ضـرب القيم الكلية المعيـارية، التي يقوم عليها المجتمع، كقيمة العدل، والحق، والمساواة، ونحن نعلم أن أي تجاوز أو تهميش لقيم أساسية ومحورية كالعدل والحق والمساواة يؤدي إلى حدوث اختلالات خطيرة ومدمرة وذات نتائج كارثية على المجتمعات.

          2- إفقار المجتمعات:

          لم يعد خافيا وجود علاقة قوية بين الفقر الذي تعيشه بعض المجتمعات وبين استشراء الفساد المالي والإداري فيها، فالفساد المالي والإداري يتسبب في هدر ثروات الأمة، والعبث بمقدراتها، وتسخير المال العام لشبكات [ ص: 41 ] المصالح والنفوذ، فيحصل بسبب ذلك تمايز كبير بين من يملكون ثروات هائلة، وبين من لا يكادون يجدون ما يسد رمقهم!

          وفي هذا السياق "تشير بعض الدراسات أن الفساد في القارة الإفريقية يكلف القارة (150 مليار دولار كل عام) ، وقد وضع الاتحاد الإفريقي خطة لمكافحة الفساد الذي كما تقول الدراسة يضر أكثر ما يضر أشد الدول الإفريقية فـقرا" [1] .

          وينعكس ذلك الفقر على الدخول الفردية، وهو ما يزيد الطين بلة؛ لأنه وكما تؤكد تقارير منظمة الشفافية الدولية توجد علاقة قوية بين استشراء الفساد المالي والإداري وبين الدخول المنخفضة [2] .

          كذلك البلدان التي تعاني من استشراء الفساد المالي والإداري هي بطبيعتها بلدان طاردة للاستثمارات؛ ذلك أن المستثمر يحزم حقائبه ويغادر حين يجد نفسه مطالبا بدفع مبالغ مالية كبيرة كرشاوى وعمولات، وإتاوات تحت مسمى الحماية أيضا! وهو ما يؤدي إلى حرمان تلك البلدان من كثير من المشاريع الاستثمارية، وبالتالي من فرص كثيرة للعمل والتنمية.

          [ ص: 42 ] ونتيجة لذلك يصبح غالبية المواطنين في البلدان التي تعاني من استشراء الفساد المالي والإداري يعيشون في ظل مستويات اقتصادية ضعيفة، وخدمات أساسية رديئة، وبنية تحتية هشة، ودخول منخفضة لا تفي بمتطلبات الحياة الكريمة.

          3- إهدار وإضاعة حقوق الضعفاء:

          ففي ظل الفساد المالي والإداري تستشري ممارسات فاسدة، وسلوكيات منحرفة كالرشوة والمحسوبية، ومن خلاها تستأثر الفئات القوية والنافذة بالمناصب، وتستحوذ على كثير من المصالح والمنافع، وكل ذلك يتم على حساب الفئات الضعيفة في المجتمع.

          4- قتل الحافز الفردي للعمل والإبداع وضعف الأداء والإنجاز:

          فلا شيء كالفساد المالي والإداري يقتل الحافز الفردي للعمل والإبداع! فالموظف يفقد الثقة في أهمية العمل وقيمته حين يرى الدخول المكتسبة عن طريق الممارسات الفاسدة تفوق في قيمتها كثيرا تلك الدخول المكتسبة عن طريق العمل الشريف.

          ومن طبيعة الفساد المالي والإداري أنه يقصي ذوي الكفاءة والنزاهة، ويقرب ذوي الوساطة والمحسوبية، وكل ذلك يؤدي إلى شيوع الإحباط، ويقضي على أي حافز فردي للعمل الجاد، بل إن الفساد المالي والإداري يحول بين الجادين وبين ممارسة أعمالهم بجدية وإتقان، بحيث تصبح السمة الغالبة على الجهاز الإداري للدولة هي ضعف الأداء والإنجاز.

          [ ص: 43 ] 5- إضعاف هيبة الدولة وإيجاد السبيل للطعن في شرعيتها:

          يؤدي استشراء الفساد المالي والإداري إلى تنامي الروح العدائية تجاه الأنظمة الحاكمة، وتزايد السخط الشعبي على الدولة ومؤسساتها، وصولا إلى خلق رأي عام يشكك في شرعية الأنظمة السياسية الحاكمة، ويطالب باقتلاعها من الجذور.

          ويمكن القـول: إن الفسـاد المالي والإداري هو العدو الأول للدول، بل هو السوس الذي ينخرها من الداخل، والداء العضال الذي يستشري في جسدها، ثم يفتك بها.

          وإذا صحت مقولة: (التاريخ يكرر نفسه) فلن تجد هذه المقولة دليلا يدعمها أو يؤيدها كتلك الثورات المتكررة في مختلف مراحل التاريخ الإنساني بسبب سقوط الأنظمة الحاكمة في مستنقعات الفساد والاستبداد!

          إن المواطن الذي يكتوي كل يوم بنار الظلم والفساد والرشوة والمحسوبية والفقر، لن يصبر إلى ما لانهاية، والتاريخ كله بماضيه البعيد وبأمسه القريب شاهد على ذلك.

          وعلى الحكومات أن تدرك وتستوعب هذه الحقيقة جيدا، وأن تجعل من محاربة الفساد المالي والإداري أولوية لها، باعتبارها أولوية الحفاظ على هيبة مؤسسات الدولة، واستقرار النظام السياسي، وتطور النظام الاقتصادي، وحماية المجتمع من التفكك والتمزق والانزلاق إلى دوامة الصراعات والحروب الأهلية.

          [ ص: 44 ]

          التالي السابق


          الخدمات العلمية