الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          معلومات الكتاب

          الفساد المالي والإداري - رؤية إسلامية - في الوقاية والعلاج

          الأستاذ / أمين نعمان الصلاحي

          الفصل الثالث

          سياسة الإسلام الوقائية

          في مكافحة الفساد المالي والإداري

          المبحث الأول

          غرس الوازع الإيماني في النفوس

          اعتنى الإسلام عناية كبيرة بالتربية الإيمانية، والتهذيب الوجداني، وبغرس معاني المراقبة والخشية لله سبحانه في النفس الإنسانية، وغاية الإسلام من ذلك: تقوية الإرادة الذاتية، وإحياء الرقابة الداخلية، بحيث يستعلي المسلم بإيمانه على المعصية، ويتمكن من مقاومة دواعي الهوى، ومغريات الفساد.

          ولقد أولى الإسلام جل عنايته لاستنهاض بواعث الخير في النفس الإنسانية، وتحبيبها في الخير، وتنفيرها من الشر، وليس أدل على ذلك من أن "نصوص الشريعة مستفيضة في مجال التجريم والتنفير من الإفساد أكثر من استفاضتها في مجال العقوبات، وبإلقاء نظرة إلى تطبيق الشريعة [ ص: 74 ] الإسلامية لقاعدة (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص) في جرائم الحدود والقصاص على سبيل المثال يتضح لنا عدم إعطاء الأولوية للجانب العقابي، بل إن الأولوية في ذلك للجانب التنفيري التجريمي، فنجد مخاطبة الضمير، وتحريك الوازع الديني في المؤمن هو الذي يحظى بالعناية في نصوص الشريعة باعتبار أن الوقاية خير من العلاج" [1] .

          إن الإسـلام يقرر بوضوح تام أن صـلاح النفس الإنسـانية هو مفتاح الصـلاح والاسـتقامة في الحياة، وأن التغيير الحقيقي إنما يبدأ من تغيير ما بالأنفس، قال تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الرعد:11).

          فالتغيير يبدأ أولا في داخل النفس الإنسانية "ثم ينتقل التغيير من عالم النفس الذي هو عالم الأفكار والمشاعر إلى عالم السلوك والأشياء" [2] .

          والأولوية في الإسلام ليست للعقوبة، وإنما للتربية والتزكية، ويمكن القول: "إن الإسـلام قد تميز عن كل القوانين والتشـريعات البشـرية بأنه لم يعول كثيرا على الحدود والعقوبـات في الإصـلاح وتقـويم المجتمع؛ لأن العقوبات قد تحد من الجريمة الظاهرة، ولكنها قد لا تحد من الانحراف الذي تحجبه الجدران، أو يختفي في طيات القلوب وجنبات النفوس؛ لذلك [ ص: 75 ] كان أسلوب التربية والتزكية من أهم الأساليب التي اعتمدت عليها النظرية الإسلامية في إصلاح المجتمع والحد من جميع أنواع الانحراف" [3] .

          والإسلام في سعيه إلى إيجاد المجتمع الصالح ينظر إلى المجتمع على أنه مجموع أفراد، وكل فرد في المجتمع يشكل لبنة في بنائه، وحينما يتطرق الفساد إلى بعض اللبنات فإن ذلك يشكل تهديدا للبناء الاجتماعي برمته.

          ومن هذا المنظور، يولي الإسلام عناية خاصة لمسألة التربية والتزكية الإيمانية، وإحلال معاني الخشية والخوف من الله واستشعار مراقبته سبحانه في نفوس أفراد المجتمع كافة؛ ذلك "أن القوانين مهما كانت صارمة فإنها لا تنفع كما ينفع الخوف والخشية من الله؛ لأن القوانين لا تراعى إلا حيت يخاف الإنسـان من الوقـوع في قبضة السـلطة القائمة على تنفيذها، فإذا وجد الإنسـان فرصـة يأمن فيها على نفسه هتك حرمة القانون وخرج عليه" [4] .

          ولتنمية الوازع الإيماني في النفوس سلك الإسلام مسالك متعددة، ومن ذلك ما نجده في النصوص الشرعية من الترغيب والترهيب، والحث على الفضائل والمكارم، والتحذير من الرذائل والقبائح، وربط الفرائض التعبدية [ ص: 76 ] بمعاني الاستقامة الخلقية، فالقرآن يحدثنا عن الصلاة بقوله: وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر (العنكبوت:45).

          قال العلامة السعدي (ت 1376هـ): "الفحشاء: كل ما استعظم واستفحش من المعاصي التي تشتهيها النفوس.

          والمنكر: كل معصية تنكرها العقول والفطر.

          ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أن العبد المقيم لها، المتمم لأركانها وشروطها وخشوعها، يستنير قلبه، ويتطهر فؤاده، ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل أو تعدم رغبته في الشر، فبالضرورة مداومتها والمحافظة عليها على هذا الوجه، تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها وثمراتها" [5] .

          والزكاة، يتحدث عنها القرآن بوصفها أنجع وسيلة لتطهير النفوس من البخل والشح وتحريرها من عبودية المال، قال تعالى: ... وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير (البقرة:110) ، وقال سبحانه: فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (التغابن:16).

          [ ص: 77 ] قال الإمام الرازي (ت 606هـ):

          "واعلم أن الفرق بين الشح والبخل هو أن البخل نفس المنع، والشح هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المنع، فلما كان الشح من صفات النفس، لا جرم [6] ، قال تعالى: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون : الظافرون بما أرادوا، قال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا نهاه الله عن أخذه، ولم يمنع شيئا أمره الله بإعطائه فقد وقي شح نفسه" [7] .

          وهنا يتجلى دور الزكاة في التزكية والتهذيب، فهي "تخرج الغني من دائرة حب المال والشح به، وما يؤديه ذلك من الفساد في المجتمع، حيث يدفعه حب المال إلى الاستغلال وتكثيره، من طرق مشروعة وغير مشـروعة، وفي هذا شقاء المجتمع؛ لأنه يخون الأمانة، أو يستغل العمال، أو يغش في كيل أو ميزان، أو غير ذلك، في سبيل جمع المال" [8] .

          [ ص: 78 ] كذلك الصيام، يؤدي دوره في تقوية الوازع الديني، واستشعار مراقبة الله سبحانه، قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (البقرة:183).

          فـ "الصـيام يعلم الأمـانة ومـراقبة الله تبارك وتعالى في السر والعلن، إذ لا رقيب على الصائم في امتناعه عن المفطرات إلا الله وحده، وهو يقوي الإرادة، ويعلم الصـبر على ما قد يحرم الإنسان منه" [9] .

          وهكذا نرى الإسلام يؤكد على دور الفرائض التعبدية في تقوية الوازع الإيماني، وتقويم السلوك، فالعبادة في الإسلام ليست مجرد طقوس تؤدى هنا أو هناك، ولكنها في جوهرها ذات مفهوم شامل يرتبط بيقظة الضمير، واستقامة السلوك، حتى أن الإسلام يعتبر العامل الذي يؤدي عمله بإخلاص وإتقان في عبادة طالما وهو يؤدي عملا مشروعا نافعا.

          فمفهوم العبادة في الإسلام يتسع ليشمل كل عمل نافع يقوم به الإنسان محتسبا للأجر والثواب، وإن كان يتقاضى عليه أجرا في الدنيا، فهو أيضا يؤجر في الآخرة على أمانته وإتقانه واحتسابه.

          وإنه لمن الأهمية بمكان أن يستشعر الموظف، أيا كانت وظيفته، هذا البعد التعبدي في عمله الوظيفي، حتى يتمكن من مقاومة دواعي الهوى ومغريات الفساد.

          [ ص: 79 ] والأمر هنا بحق، كما يقول أحد الباحثين: "إن إحساس الموظف بأن ما يؤديه من عمل هو عبادة لله سبحانه وتعالى، يقوي على غلبة دواعي الهوى التي تجره نحو الفساد.. وإن إحساس الموظف بأن عمله هذا ليس القصد منه الثراء أو الجاه أو السلطان، وإنما التوجه إلى الله بصالح العمل للفوز بجناته، يزيده تجردا ونزاهة وحبا في إتقان العمل وخدمة الناس بكل صدق وتميز... وإن إحساس الموظف بأنه مسؤول عن هذا العمل عند الله قبل أن يسأل عنه من رؤسائه يجعله مراقبا لنفسه في كل لحظة أن يرتكب خطأ يكبه في مهاوي الهلاك، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "...كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته" [10] .

          وهذه المسؤولية تقتضي: الإحسان، والتجويد، ومراقبة الله تعالى" [11] .

          ولأهمية الوازع الديني في استقامة السلوك ومقاومة دواعي الهوى والانحراف والفساد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يستحضره في محاسبته لمن كان يستعملهم في القيام بوظائف الدولة.

          ففي صحيح البخاري "عن أبي حميد الساعدي، رضي الله عنه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعمل ابن الأتبية على صدقات بني سليم، [ ص: 80 ] فلما جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحاسبه، قال: هذا الذي لكم، وهذه هدية أهديت لي.

          فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فهلا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا"!

          ثم قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخطب الناس، وحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:

          "أما بعد، فإني أستعمل رجالا منكم على أمور مما ولاني الله فيأتي أحدكم فيقول: هذا لكم وهذه هدية أهديت لي! فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقا!

          "فوالله لا يأخذ أحـدكم منها شـيئا - قال هشام: بغير حقـه - إلا جاء الله يحمله يوم القيامة، ألا فلا أعرفن ما جاء الله رجل ببعير له رغاء، أو ببقرة لها خوار، أو شاة تيعر.

          ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه: "ألا هل بلغت" [12] .

          إن ضعف الوازع الديني في النفس يجعل الغلبة والسيطرة للهوى، وحينها تصبح تصرفات الإنسان محكومة برغباته وشهواته، وبالتالي لا يتورع عن أي ممارسات منحرفة، أو سلوكيات فاسدة طالما وهي تحقق له رغباته وشهواته [ ص: 81 ] ومطـامعـه، وفي هـذه الحـال يكون الإنسـان عبـدا لهـواه، كما قال تعالى: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (الجاثية:23).

          وتتعاظم الخطورة حين يكون هذا الإنسان في موقع ما من مواقع المسـؤولية الوظيفية، حيث يمكنه تسـخير إمكانات الموقع الوظيفي بطرق غير مشروعة لتحقيق أطماعه وأهوائه ورغباته، والقرآن الكريم يلفت أنظارنا إلى خطورة اتباع الهوى ممن هم في مواقع المسؤولية واتخاذ القرار، قال تعالى: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (ص:26).

          وليس هنالك ما يكبح جماح هوى النفس مثل الخوف من الله واستشعار مراقبته.

          ومن خلال كل ما تقدم، يتبين أن تقوية الوازع الديني في النفوس هي الوسيلة الأكثر نجاعة في الوقاية من الوقوع في الفساد بكافة صوره وأشكاله، ومن ذلك الفساد المالي والإداري، ولكن السياسة الوقائية الإسلامية لا تقف هنا، ولا تكتفي بالوازع الديني وحده، ولكنها تقوم على جملة من الإجراءات الشاملة، التي يجب أن تؤخذ كمنظومة متكاملة، كما سيأتي معنا.



          [ ص: 82 ]

          التالي السابق


          الخدمات العلمية