الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم مضاربة بالنصف فاشترى بها جارية تساوي ألفا فولدت ولدا يساوي ألفا فادعاه المضارب فدعواه باطلة ; لأن كل [ ص: 114 ] واحد منهما مشغول برأس المال ، ولا فضل فيه ، وكل واحد منهما معتبر بانفراده فدعوته حصلت في غير ملكه فهو ضامن لعقر الجارية ; لأنه أقر بوطئها وهي مملوكة لرب المال فعليه عقرها لما سقط الحد عنه بالشبهة ، وله أن يبيع الجارية وولدها ، فقد أبهم الجواب هنا وهو على التقسيم ، فإن كانت جاءت بالولد منذ اشتراها لأقل من ستة أشهر فله أن يبيعها ، ولكن لا يلزمه العقر ; لأنا تيقنا أن الوطء سبق شراؤه ، فلا يوجب عليه العقر للمضاربة .

وإن كانت جاءت به لأكثر من ستة فعليه العقر ، وله أن يبيعها ما لم يستوف رب المال منه عقرها ، فإن استوفى عقرها وهو مائة درهم صحت دعوته وثبت نسب الولد منه ، وصارت الجارية أم ولد له ; لأن ما وصل إلى رب المال وهو مائة درهم محسوب من رأس ماله ، فإنما يبقى من رأس ماله تسعمائة ، وفي قيمة كل واحد منهما فضل على ما بقي من رأس المال فتصح دعواه ، ثم يغرم لرب المال من قيمة الجارية تسعمائة تمام رأس ماله وخمسين درهما مما بقي ، موسرا كان أو معسرا ; لأن ضمان الاستيلاد ضمان تملك فلا يختلف باليسار والإعسار ، ولهذا لا يعتمد الصنع ، فإذا غرم له تسعمائة فقد وصل إليه تمام رأس ماله ، وصارت المائة الباقية من قيمتها ربحا بينهما فيغرم حصة رب المال من ذلك خمسين درهما .

وأما الولد فهو ربح كله ، ويعتق نصيب المضارب منه وهو النصف ويستسعى في نصف قيمته لرب المال ، ولا ضمان على المضارب في ذلك وإن كان موسرا ; لأنه كالمعتق له ، وضمان الإعتاق لا يجب إلا بالصنع ، وإنما عتق نصيبه هنا حكما لظهور الفضل في قيمة كل واحد منهما على رأس المال ، فإن لم يبع واحد منهما ، ولم يستوف رب المال عقرها حتى زادت الجارية فصارت تساوي ألفين فهي أم ولد للمضارب ; لأنه ظهر الفضل في قيمتها على رأس المال فيملك المضارب حصته منها ، وهو الربع فتصير أم ولد له ; لأنه بدعواه نسب الولد ، قد أقر أنها أم ولد له والإقرار بالاستيلاد إذا حصل قبل الملك يوقف على ظهور الملك في المحل ، وبعد الملك يصير كالمجدد له ، ثم الاستيلاد لا يحتمل الوصف بالتحري في المحل فصار هو متملكا نصيب رب المال منها ، وذلك ثلاثة أرباعها : ألف وخمسمائة ، ألف رأس ماله ، وخمسمائة ربح فعليه قيمة ثلاثة أرباعها موسرا كان أو معسرا ; لأنه ضمان التملك ، وأما الولد فهو رقيق على حاله ما لم يؤد ما عليه من قيمة الأم ، أو يأخذ رب المال شيئا من المقر ; لأنه لا فضل فيه على رأس المال ، وله أن يبيعه فإن لم يبعه حتى صار يساوي ألفين فإنه يصير ابن المضارب ، ويعتق منه ربعه ; لأنه ظهر الفضل في قيمته على رأس المال فملك المضارب نصيبه من الربح ، وذلك ربع [ ص: 115 ] الولد فيعتق ذلك القدر عليه ، بخلاف ما سبق إنه إذا أعتقه ولا فضل فيه على رأس المال ، ثم ظهر الفضل فيه لم ينفذ ذلك العتق ; لأن إنشاء العتق متى سبق الملك لم ينفذ بحدوث الملك في المحل بعده .

ودعوى النسب إذا سبقت الملك نفذ لحدوث الملك في المحل بعده باعتبار أن سببه لا يحتمل الفسخ بحال ، وهو كونه مخلوقا من مائه ، ثم لا ضمان على المضارب فيه ; لأنه عتق حكما لظهور الفضل في قيمته ، وضمان العتق يعتمد الصنع ، وحين وجد منه الصنع وهو الدعوى لم يعتق شيء منه ; لأن علة العتق القرابة والملك فإن ما يضاف إلى آخر الوصفين وجودا ، وقد حصل ذلك حكما بغير صنعه ; ولهذا لو ورث بعض قريبه لم يضمن لشريكه شيئا ، بخلاف الأم فإن ضمان الاستيلاد ضمان تملك وهو لا يعتمد الصنع .

( ألا ترى ) أنه لو ورث بعض أم ولده يضمن لشريكه نصيبه ، فإن استوفى رب المال من المضارب ألف درهم صار ما بقي من الابن وما بقي على المضارب من قيمة الأم وعقرها على المضاربة ربحا كله ، فإن كان العقر مائة درهم ضمن رب المال المضارب الألف كلها ، والمائة الدرهم ، فإذا أخذها كان للمضارب مثل ذلك من الولد فيعتق من الولد قدر ألف درهم ومائة ، ويبقى تسعمائة فهو بين المضارب وبين رب المال نصفين فيعتق حصة المضارب ، ويستسعى الولد لرب المال في حصته أربعمائة وخمسين ، ولرب المال من ولاء الولد عشره وربع عشره وإلا والباقي للمضارب في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وهذا اللفظ سهو فإن لرب المال من ولاء الولد خمسه وربع عشره ; لأن قيمة الولد ألفان ، والذي عتق منه على ملك رب المال قدر أربعمائة وخمسين وأربعمائة خمس الألفين ، والخمسون ربع العشر فإن العشر مائتان فعلمنا أن له من الولاء خمسه وربع عشره ، والباقي للمضارب ، وقد طعن عيسى - رحمه الله - في هذا الجواب فقال : هو خطأ ; لأن الباقي بعد الألف الذي استوفاها رب المال ، كله ربح بينهما نصفان ، فلا يكون حصة المضارب من الولد خاصة ، ولكن المضارب يضمن نصف ما بقي من نصف قيمة الأم ، ونصف العقر واستسعى الولد في نصف قيمته ، واستشهد بالمسألة التي ذكرها في آخر الباب ، فإنه خرجها على هذا الوجه فقال : تلك صحيحة وهي تنقض هذه المسألة فقال مشايخنا - رحمهم الله - ما ذكره عيسى هو القياس ، ولكن ما ذكره محمد - رحمه الله - نوع استحسان ، وإنما أخذ به هنا لزيادة العتق في الولد .

فأما لو سلكنا طريق القياس لم يعتق الولد مجانا إلا بصفة ، وإذا صرنا إلى ما ذكره محمد - رحمه الله - يعتق من الولد ثلاثة أرباعه وربع عشره مجانا ، ومبنى العقد على الغلبة والسراية ، فيترجح الطريق الذي فيها تكثير العتق ، [ ص: 116 ] ثم الفرق بين هذه المسألة وبين تلك بيناه آخر الباب .

ولو كان المضارب معسرا لا يقدر على الأداء فأراد رب المال أن يستسعي الجارية في رأس ماله وحصته من الربح لم يكن له ذلك ; لأن ذلك دين على المضارب ولا سعاية على أم الولد في دين مولاها ، وإن أراد أن يستسعي الولد كان له ذلك في الألف ، وخمسمائة ألف درهم رأس ماله وخمسمائة حصته من الربح في الولد ; لأن نصيب المضارب من الولد وهو الربع عتق بالدعوى فعليه السعاية في نصيب رأس المال وهو ثلاثة أرباعه وهذا ; لأن الولد يعتق بأداء السعاية ، والاستسعاء لتتميم العتق صحيح ، فأما أم الولد فلا تعتق بأداء السعاية ; فلهذا لا يلزمها السعاية في دين مولاها ثم لرب المال ثلاثة أرباع ولاء الولد ; لأن هذا القدر عتق على ملكه بأداء السعاية إليه ، ويرجع على المضارب بنصف قيمة الأم ونصف العقد ; لأنها مع عقرها كله ربح فيسقط عن المضارب حصته من ذلك ، ويغرم حصة رب المال ، فإذا أدى ذلك إلى رب المال فأراد أن يرجع بشيء مما سعى فيه على واحد منهما لم يكن له ذلك ; لأن عوض ما سعى فيه قد حصل له وهو ذلك القدر من رقبته .

ولو كان المضارب حين اشترى الجارية بالألف وهي تساوي ألفا فولدت ولدا يساوي ألفا فلم يدعه ، ولكنه ادعاه رب المال فهو ابنه ، والأم أم ولد له ، ولا يغرم للمضارب شيئا من عقر ولا قيمة جارية ; لأن الجارية كلها مملوكا لرب المال ، إذ لا فضل فيها على رأس المال ، فاستيلاده حصل في خالص ملكه ، وذلك نقض منه للمضاربة بمنزلة ما لو استردها بالإعتاق فلم يلزمه عقرها وقد علق الولد حر الأصل ولا شيء للمضارب قبله من قيمتها ، ولا من قيمة ولدها . وكذلك لو كان الولي يساوي ألفين ; لأن نسبه ثبت من وقت العلوق وإنما علق حر الأصل فلا معتبر بقيمته قلت أو كثرت .

ولو كانت الأم تساوي ألفين غرم ربع قيمتها ، وثمن عقرها للمضارب ; لأنه حين استولدها كان الربع منها للمضارب فيغرم له ربع قيمتها ، وقد لزمه ربع عقرها أيضا باعتبار ملك المضارب لكن هذا الربع من العقر ربح بينهما نصفان ; فتسقط حصته من ذلك ، ويغرم حصة المضارب وهو ثمن عقرها ، ولا ضمان عليه في الولد ; لأنه علق حر الأصل فإن أصل العلوق حصل في ملكه فتستند دعواه إلى تلك الحالة ، ويكون الولد حر الأصل .

ولو كان المضارب هو الذي وطئ الجارية وقيمتها ألفان فجاءت بولد فادعاها المضارب بعد ما ولدته وقيمته ألف درهم فالولد ولد المضارب ; لأنه كان مالكا لربعها حين استولدها وذلك يكفي لثبوت نسب الولد بالدعوى ، ولا ضمان عليه فيه وهو عبد ; لأنه لا يملك شيئا من الولد فإنه [ ص: 117 ] لا فضل في قيمته على رأس المال .

ولو اشترى المضارب ابنا معروفا له بمال المضاربة ولا فضل فيه على رأس المال لم يعتق عليه ، فكذلك إذا ثبت النسب بدعواه ويغرم لرب المال ثلاثة أرباع قيمة الجارية ; لأن نصيبه منها صار أم ولد له ، وصار به متملكا نصيب رب المال وهو ثلاثة أرباعها ; فلهذا يغرم ثلاثة أرباع قيمتها ويغرم له ثلاثة أثمان العقر ولكن ذلك ربح كله فيقسط نصف حصة المضارب ويضمن لرب المال حصته من ذلك ، وهو ثلاثة أثمان عقرها فإذا قبض رب المال ذلك عتق نصف الولد ; لأن الولد صار ربحا كله فيعتق نصيب المضارب منه وهو النصف ، ويسعى في نصف قيمته لرب المال ، ولا ضمان على المضارب فيه ; لأن العتق حصل حكما بحدوث ملكه فيه .

ولا يقال : كان ينبغي أن يكون الولد حر الأصل كما في جانب رب المال ; لأن رب المال صار ناقضا للمضاربة باسترداد رأس المال عنه عند الاستيلاد ، والمضارب لا يتمكن من ذلك فلا يسلم له شيء من الربح ما لم يسلم رأس المال لرب المال ; فلهذا كان الولد رقيقا وإنما يعتق إذا سلم رأس المال لرب المال ، ولو كانت الجارية تساوي ألفا فولدت ولدا يساوي ألفا فادعاه المضارب فغرمه رب المال المقر وهو مائة درهم وأخذها صارت الجارية أم ولد للمضارب ويعتق الولد ويثبت نسبه لظهور الفضل في قيمة كل واحد منهما على ما بقي من رأس المال ويضمن المضارب من قيمة الأم تسعمائة وخمسين درهما تسعمائة ما بقي من رأس المال ، وخمسون حصة رب المال من المائة التي هي ربح في الجارية ، فإذا قبضها رب المال عتق نصف الولد من المضارب ، ويسعى في نصف قيمته لرب المال ، وولاؤه بينهما نصفان ; لأن الولد كله ربح بينهما نصفين ، وهذه هي المسألة التي استشهد بها عيسى - رحمه الله - والفرق بينهما وبين الأول على جواب الكتاب من وجهين : أحدهما أن في هذا الموضع سبب عتق الولد : اشترك فيه المضارب ورب المال ، فلهذا لا يجمع نصيب المضارب من الربح في الولد كله وهناك لا صنع لرب المال في السبب الموجب للعتق في الولد ، وإنما السبب ظهور الفضل في قيمته على رأس المال ; فلهذا يجمع جميع نصيب المضارب من الربح في الولد لدفع الضرر عن رب المال بوصوله إلى جميع نصيبه بالتضمين في الحال .

والثاني : أن الجمع هناك لتغليب العتق ، وذلك لا يقوى هناك ; لأن تفاوت ما بين الجمع والتفريق نصف عشر الولد ، فالربح من الجارية قدر المائة ، وإن جعلنا ذلك كله لرب المال لا يزداد العتق للولد إلا بقدر نصف العشر ، وذلك قليل ; فلهذا لم يشتغل بالجمع هنا .

وإن كان المضارب معسرا وقد أدى العقر فلرب المال أن يستسعي الولد بتسعمائة وخمسين [ ص: 118 ] درهما : تسعمائة بقية رأس ماله ; لأنه لا وجه لاستسعاء الجارية في ذلك فإنها أم ولد فلا يلزمها السعاية في دين مولاها ، ولكن يستسعي الولد في ذلك ليعتق ، ثم المائة الباقية منه ربح فيسعى لرب المال في نصفها ، ويكون لرب المال من الولد تسعة أعشاره ، ونصف عشره ويكون له نصف قيمة الأم دينا على المضارب في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ; لأن الأم صارت ربحا كلها ، وإنما يضمن المضارب لرب المال مقدار حصته منها بالاستيلاد ، وذلك النصف والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية