الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولو دفع مالا إلى رجل مضاربة بالنصف وأمره أن يعمل فيه برأيه فدفعه المضارب إلى رجل آخر مضاربة على أن يعمل المضارب الأول معه ، وللمضارب الآخر ربع الربح ، وللأول ربعه ، ولرب المال نصفه فالمضاربة فاسدة ; لأن المضارب الأول في عمله في المال بمنزلة المالك فاشتراط عمله يعدم التخلية بين المال وبين المضارب الآخر ، وذلك شرط صحة المضاربة الثانية ، والدليل عليه أن المضارب لا يعاقد نفسه في هذا المال عقد المضاربة وحده ، فكذلك لا يعاقد غيره على شرط عمله معه ، فإن عملا فللآخر أجر مثله ; لأنه أوفى عمله بعقد فاسد .

والربح بين الأول ورب المال على شرطهما ، والوضيعة على رب المال ; لأن المضارب الآخر أجير للأول إجارة فاسدة .

ولو استأجره إجارة صحيحة للعمل في المال كان يعطي أجره من المال ، والربح بين المضارب ورب [ ص: 89 ] المال على الشرط ، فكذلك هنا فإن دفعه المضارب الأول إلى رب المال مضاربة بالثلث فعمل به فربح ، أو وضع فإنه يقسم على شرط المضاربة الأولى ، والمضاربة الأخيرة باطلة ، والمال في يد رب المال بمنزلة البضاعة ، وعلى قول زفر - رحمه الله - الثانية تنقض الأولى ، والربح كله لرب المال وعندنا رب المال ، في العمل معين للمضارب ; لأن المضارب قد استعان به فيكون عمله كعمل المضارب ، والربح بينهما على الشرط ، ولا تصح المضاربة الأخيرة ; لأن رب المال مالك للمال يستحق الربح باعتبار ملكه فلا يجوز أن يكون مضاربا فيه ; لأن المضارب من يستحق الربح بعمله لا بملكه المال ، فالمضاربة الثانية لم تصادف محلا فكانت باطلة .

( ألا ترى ) أن المضارب لو استأجر رب المال أن يشتري له ويبيع بعشرة دراهم في الشهر فاشترى له فربح ، أو وضع كان ما صنع من ذلك جائزا على المضارب ولا أجر له ; لأنه عامل في مال نفسه ، فلا يستوجب على عمله أجرا بالشرط ، وبه تبين الفرق بينه وبين الأجنبي ، ولو دفعه المضارب إلى رجل مضاربة بالربع على أن يعمل هو ورب المال فعملا فالمضاربة الثانية فاسدة ; لأن رب المال يستحق الربح بملكه المال ، ولا يجوز أن يكون مضاربا في هذا المال وحده ، فاشتراط عمله بعدم التخلية ، فإذا فسدت المضاربة الثانية فللمضارب الآخر أجر مثله ، والربح بين الأول وبين رب المال على ما اشترطا والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية