الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                معلومات الكتاب

                                                                                                                                بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

                                                                                                                                الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

                                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                                ( وأما ) النوع الثالث فأما المكره على القتل فإن كان الإكراه تاما فلا قصاص عليه عند أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما ، ولكن يعزر ويجب على المكره ، وعند أبي يوسف - رحمه الله - لا يجب القصاص عليهما ولكن تجب الدية على المكره وعند زفر - رحمه الله - يجب القصاص على المكره دون المكره ، وعند الشافعي - رحمه الله - يجب عليهما .

                                                                                                                                ( وجه ) قول الشافعي - رحمه الله - أن القتل اسم لفعل يفضي إلى زهوق الحياة عادة ، وقد وجد في كل واحد منهما إلا أنه حصل من المكره مباشرة ومن المكره تسبيبا ، فيجب القصاص عليهما جميعا .

                                                                                                                                ( وجه ) قول زفر - رحمه الله - أن القتل وجد من المكره حقيقة حسا ومشاهدة ، وإنكار المحسوس مكابرة فوجب اعتباره منه دون المكره إذ الأصل اعتبار الحقيقة لا يجوز العدول عنها إلا بدليل .

                                                                                                                                ( وجه ) قول أبي يوسف - رحمه الله - أن المكره ليس بقاتل حقيقة بل هو مسبب للقتل ، وإنما القاتل هو المكره حقيقة ثم لما لم يجب القصاص عليه فلأن لا يجب على المكره أولى [ ص: 180 ]

                                                                                                                                ( وجه ) قول أبي حنيفة ومحمد - عليهما الرحمة - ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { عفوت عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه } ، وعفو الشيء عفو عن موجبه فكان موجب المستكره عليه معفوا بظاهر الحديث ، ولأن القاتل هو المكره من حيث المعنى ، وإنما الموجود من المكره صورة القتل فأشبه الآلة إذ القتل مما يمكن اكتسابه بآلة الغير كإتلاف المال ، ثم المتلف هو المكره حتى كان الضمان عليه ، فكذا القاتل ألا ترى أنه إذا أكره على قطع يد نفسه له أن يقتص من المكره ، ولو كان هو القاطع حقيقة لما اقتص ، ولأن معنى الحياة أمر لا بد منه في باب القصاص قال الله تعالى : { ولكم في القصاص حياة }

                                                                                                                                ومعنى الحياة شرعا واستيفاء لا يحصل بشرع القصاص في حق المكره واستيفائه منه على ما مر في مسائل الخلاف ; لذلك وجب على المكره دون المكره ، وإن كان الإكراه ناقصا وجب القصاص على المكره بلا خلاف ; لأن الإكراه الناقص يسلب الاختيار أصلا فلا يمنع وجوب القصاص ، وكذلك لو كان المكره صبيا أو معتوها يعقل ما أمر به فالقصاص على المكره عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - لما ذكرنا ، ولو كان الصبي المكره يعقل وهو مطاع أو بالغ مختلط العقل - وهو مسلط - لا قصاص عليه وعلى عاقلته الدية ; لأن عمد الصبي خطأ .

                                                                                                                                ولو قال المكره على قتله المكره : اقتلني من غير إكراه فقتله لا قصاص عليه عند أصحابنا الثلاثة ; لأنه لو قتله من غير إذن لا يجب عليه ، فهذا أولى ، وعند زفر يجب عليه القصاص وكذا لا قصاص على المكره عندنا ، وفي وجوب الدية روايتان وموضع المسألة كتاب الديات ، ومن الأحكام التي تتعلق بالإكراه على القتل أن المكره على قتل مورثه لا يحرم الميراث عند أصحابنا الثلاثة ; لما ذكرنا أن الموجود من المكره صورة القتل لا حقيقته بل هو في معنى الآلة ، فكان القتل مضافا إلى المكره ، ولأنه قتل لا يتعلق به وجوب القصاص ولا وجوب الكفارة فلا يوجب حرمان الميراث ، وعلى قياس قول زفر والشافعي - رحمهما الله - يحرم الميراث ; لأنه يتعلق به وجوب القصاص .

                                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                                الخدمات العلمية