الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومعلوم أنه لو بلغ صبي أو أسلم كافر أو طهرت حائض أو أفاق مجنون والوقت باق; لزمتهم الصلاة أداء لا قضاء، وإن كان بعد خروج الوقت فلا إعادة عليهم، فهذا المسيء الجاهل إذا علم وجوب [ ص: 114 ] الطمأنينة في أثناء الوقت، فوجبت عليه الطمأنينة حينئذ، ولم تجب عليه قبل ذلك، فلهذا أمره بالطمأنينة في الصلاة ذلك الوقت دون ما قبلها.

وكذلك أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد، ولمن ترك لمعة من قدمه أن يعيد الوضوء والصلاة.

وقوله له أولا: « صل فإنك لم تصل» بين أن ما فعله لم يكن صلاة، ولكن لم يعرف أنه كان جاهلا بوجوب الطمأنينة، فلهذا أمره بالإعادة ابتداء، ثم علمه إياها لما قال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا.

فهذه نصوصه صلى الله عليه وسلم في محظورات الصلاة والصيام والحج مع الجهل، وفي ترك واجباتها مع الجهل.

وأما أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد; فذلك لأنه لم يأت بالواجب مع بقاء الوقت. فثبت الوجوب في حقه حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم لبقاء وقت الوجوب، لم يأمره بذلك بعد مضي الوقت.

وأما أمره لمن ترك لمعة من رجله لم يصبها الماء بالإعادة; فلأنه كان ناسيا، فلم يفعل الواجب، كمن نسي الصلاة وكان الوقت باقيا، فإنها قضية معينة لشخص بعينه، لا يمكن أن تكون في الوقت وبعد الوقت، بمعنى أنه رأى في رجل رجل لمعة لم يصبها الماء، فأمره أن [ ص: 115 ] يعيد الوضوء والصلاة.

وأما قوله: « ويل للأعقاب من النار» ونحوه، فإنما يدل على وجوب تكميل الوضوء، ليس في ذلك أمر بإعادة شيء.

ومن كان يعتقد أن الصلاة تسقط عن العارفين، أو المشايخ الواصلين، أو عن بعض أتباعهم، أو أن الشيخ يصلي عنهم، أو أن لله عبادا سقطت عنهم الصلاة، كما يوجد كثير من ذلك في كثير من المنتسبين إلى الفقر والزهد، وأتباع بعض المشايخ، ودعوى المعرفة، فهؤلاء يستتابون باتفاق الأئمة، فإن أقروا بالوجوب وإلا قتلوا، وإذا أصروا على جحد الوجوب حتى قتلوا، كانوا مرتدين، ومن تاب منهم وصلى لم يكن عليه إعادة ما ترك قبل ذلك في أظهر قولي العلماء، فإن هؤلاء إما أن يكونوا مرتدين وإما [أن] يكونوا مسلمين جاهلين بالوجوب. [ ص: 116 ]

فإن قيل: [إنهم مرتدون عن الإسلام، فالمرتد إذا أسلم لا يقضي ما تركه حال الردة عند جمهور العلماء، كما لا يقضي الكافر إذا أسلم ما ترك حال الكفر باتفاق العلماء، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنه، والأخرى يقضي المرتد، كقول الشافعي، والأول أظهر.

فإن الذين ارتدوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كالحارث بن قيس، وطائفة معه أنزل الله فيهم: كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم [آل عمران: 86] الآية، والتي بعدها، وكعبد الله بن أبي سرح، والذين خرجوا مع الكفار يوم بدر، وأنزل فيهم: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم [النحل: 110] فهؤلاء عادوا إلى الإسلام.

وعبد الله بن أبي سرح عاد إلى الإسلام عام الفتح، وبايعه النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يأمر أحدا منهم بإعادة ما ترك حال الكفر في الردة، كما لم يكن يأمر سائر الكفار إذا أسلموا. وقد ارتد في حياته خلق كثير اتبعوا الأسود [ ص: 117 ] العنسي الذي تنبأ بصنعاء اليمن، ثم قتله الله، وعاد أولئك إلى الإسلام، ولم يؤمروا بالإعادة. وتنبأ مسيلمة الكذاب، واتبعه خلق كثير، قاتلهم الصديق والصحابة بعد موته حتى أعادوا من بقي منهم إلى الإسلام، ولم يأمر أحدا منهم بالقضاء، وكذلك سائر المرتدين بعد موته.

وكان أكثر البوادي قد ارتدوا ثم عادوا إلى الإسلام، ولم يأمر أحدا منهم بقضاء ما ترك من الصلاة. وقوله تعالى: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف [الأنفال: 38] يتناول كل كافر.

وإن قيل: إن هؤلاء لم يكونوا مرتدين، بل جهالا بالوجوب، وقد تقدم أن الأظهر في حق هؤلاء أنهم يستأنفون الصلاة على الوجه المأمور، ولا قضاء عليهم. فهذا حكم من تركها غير معتقد لوجوبها.

التالي السابق


الخدمات العلمية