الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وكان أغلب ما يلبسه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما ينسج من القطن، وربما لبسوا ما ينسج من الصوف وغيره. كما روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناد صحيح عن جليس لأيوب قال: دخل الصلت بن راشد على [ ص: 137 ] محمد بن سيرين وعليه جبة صوف وإزار صوف وعمامة صوف، فاشمأز منه محمد بن [سيرين] وقال: أظن أن أقواما يلبسون الصوف يقولون: قد لبسه عيسى بن مريم، وقد حدثني من لا أتهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لبس الكتان والقطن واليمنية، وسنة نبينا أحق أن تتبع.

ومقصود ابن سيرين بهذا: أن أقواما يرون أن لبس الصوف دائما أفضل من غيره، فيتحرون ذلك تزهدا وتعبدا، كما أن أقواما يرون أن ترك أكل اللحم وغيره من الطيبات دائما أفضل من غيره، فيتحرون ذلك، ويحرمون على أنفسهم طيبات ما أحل الله لهم، حتى يروا التبتل أفضل من التأهل، ونحو ذلك.

وهذا خطأ وضلال، بل يجب أن يعلم أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد. كما ثبت في « الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة بهذا فيقول: « إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة [ضلالة]».

وفي مثل هؤلاء أنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون [المائدة: 87 - 88]. [ ص: 138 ]

وفي « الصحيحين» عن أنس بن مالك قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها. فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر!

فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا.

وقال الآخر: أنا أصوم الدهر أبدا.

وقال الآخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدا.

فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني أخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».


رواه البخاري وهذا لفظه.

ومسلم أيضا ولفظه: عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟

فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه وقال: « ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
[ ص: 139 ]

وفي « الصحيحين» عن سعد بن أبي وقاص قال: « رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا».

والراغب عن سنته هو الذي يعدل عنها إلى غيرها تفضيلا لذلك الغير عليها، ولهذا تبرأ منه النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال: « من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا».

وأما إذا لم يرغب عنها، بل فعل المفضول مع كونه مفضلا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم باعتقاده ومحبته، فهذا لا يأثم إلا أن يترك واجبا أو يفعل محرما.

وقد ثبت عنه في « الصحيح» أنه قال: « أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما».

وكذلك ثبت عنه في « الصحيح» أنه نهى عبد الله بن عمرو عن سرد الصيام، والمداومة على قيام الليل كله، وأخبره أن أفضل الصوم وأعدله صيام يوم وفطر يوم. [ ص: 140 ]

فيجب أن يعلم أن هذا أفضل مما فعله كثير من السلف والخلف بصلاة الصبح بوضوء العشاء الآخرة كذا كذا سنة، ومن صيام الدهر حتى لا يفطروا إلا الأيام الخمسة، ومن التبتل ونحو ذلك. وإن كان كثير من فقهائنا وعبادنا يرون هذا أفضل من غيره، فهذا غلط منهم.

والصواب أن أفضل الطريق طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سنها وأمر بها ورغب فيها، وأمر بها، والتي داوم عليها.

التالي السابق


الخدمات العلمية