الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر أخبار الفرنج بالشام

كان الأفضل أمير الجيوش بمصر قد أنفذ مملوكا لأبيه ، لقبه سعد الدولة ، ويعرف بالطواشي ، إلى الشام لحرب الفرنج ، فلقيهم بين الرملة ويافا ، ومقدم الفرنج يعرف ببغدوين ، لعنه الله تعالى ، وتصافوا واقتتلوا ، فحملت الفرنج حملة صادقة ، فانهزم المسلمون .

وكان المنجمون يقولون لسعد الدولة : إنك تموت مترديا ، فكان يحذر من ركوب الخيل ، حتى إنه ولي بيروت وأرضها مفروشة بالبلاط ، فقلعه خوفا أن يزلق به فرسه ، أو يعثر ، فلم ينفعه الحذر عند نزول القدر ، فلما كانت هذه الوقعة انهزم ، فتردى به فرسه ، فسقط ميتا ، وملك الفرنج خيمه وجميع ما للمسلمين .

فأرسل الأفضل بعده ابنه شرف المعالي في جمع كثير ، فالتقوا هم والفرنج بيازوز ، بقرب الرملة ، فانهزم الفرنج ، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وعاد من سلم منهم مغلولين ، فلما رأى بغدوين شدة الأمر ، وخاف القتل والأسر ، ألقى نفسه في الحشيش واختفى فيه ، فلما أبعد المسلمون خرج منه إلى الرملة . وسار شرف المعالي بن الأفضل من المعركة ، ونزل على قصر بالرملة ، وبه سبعمائة من أعيان الفرنج ، وفيهم بغدوين ، فخرج متخفيا إلى يافا ، وقاتل ابن الأفضل من بقي خمسة عشر يوما ، ثم أخذهم ، فقتل منهم أربعمائة صبرا ، وأسر ثلاثمائة إلى مصر .

ثم اختلف أصحابه في مقصدهم ، فقال قوم : نقصد البيت المقدس ونتملكه ، وقال قوم : نقصد يافا ونملكها .

[ ص: 490 ] فبينما هم في هذا الاختلاف ، إذ وصل إلى الفرنج خلق كثير في البحر ، قاصدين زيارة البيت المقدس ، فندبهم بغدوين للغزو معه ، فساروا إلى عسقلان ، وبها شرف المعالي ، فلم يكن يقوى بحربهم ، فلطف الله تعالى بالمسلمين ، فرأى الفرنج البحرية حصانة عسقلان ، وخافوا البيات ، فرحلوا إلى يافا ، وعاد ولد الأفضل إلى أبيه ، فسير رجلا يقال له تاج العجم في البر ، وهو من أكبر مماليك أبيه ، وجهز معه أربعة آلاف فارس ، وسير في البحر رجلا يقال له القاضي ابن قادوس ، في الأسطول ، فنزل الأسطول على يافا ، ونزل تاج العجم على عسقلان ، فاستدعاه ابن قادوس إليه ليتفقا على حرب الفرنج ، فقال تاج العجم : ما يمكنني أن أنزل إليك إلا بأمر الأفضل ، ولم يحضر عنده ، ولا أعانه ، فأرسل القادوسي إلى قاضي عسقلان ، وشهودها ، وأعيانها ، وأخذ خطوطهم بأنه أقام على يافا عشرين يوما ، واستدعى تاج العجم ، فلم يأته ، ولا أرسل رجلا ، فلما وقف الأفضل على الحال أرسل من قبض على تاج العجم ، وأرسل رجلا ، لقبه جمال الملك ، فأسكنه عسقلان ، وجعله متقدم العساكر الشامية .

وخرجت هذه السنة وبيد الفرنج ، لعنهم الله ، البيت المقدس ، وفلسطين ، ما عدا عسقلان ، ولهم أيضا يافا ، وأرسوف ، وقيسارية ، وحيفا ، وطبرية ، واللاذقية ، وأنطاكية ، ولهم بالجزيرة الرها ، وسروج .

وكان صنجيل يحاصر مدينة طرابلس الشام ، والمواد تأتيها ، وبها فخر الملك بن عمار ، وكان يرسل أصحابه في المراكب يغيرون على البلاد التي بيد الفرنج ، ويقتلون من وجدوا ، وقصد بذلك أن يخلو السواد ممن يزرع لتقل المواد من الفرنج فيرحلوا عنه .

التالي السابق


الخدمات العلمية