الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
والناس متفقون على تجدد نسب وإضافات لا تقوم بذات الرب، [ ص: 395 ] وتنازعوا فيما يقوم بذات الرب، وهذا كما تنازعوا في الاستواء ونحوه: هل هو مفعول للرب يحدثه في المخلوقات من غير قيام أمر به؟ أم يقوم به أمر؟ على القولين

فالكلابية والمعتزلة ينفون أن يقوم بالرب شيء من ذلك. وأكثر أهل الحديث، وكثير من أهل الكلام يجوزون ذلك. وأما النسب والإضافات فتتجدد باتفاقهم. وابن عقيل يسمي هذه النسب والإضافات الأحوال، ولعله سماها بذلك، كما يسمي غيره كونه عالما وقادرا حالا معللة بالعلم والقدرة، كما هي طريقة القاضي أبي بكر، ومن وافقه كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وغيرهما.

وهؤلاء يقولون -تبعا لأبي هاشم- إن الحال لا موجودة ولا معدومة، وكذلك هذه النسب والإضافات على قولهم. أو أن يكون ابن عقيل شبه ذلك بالأحوال التي يثبتها أبو هاشم، ويجعلها لا موجودة ولا معدومة، كذلك هذه النسب والإضافات.

ولأهل الحديث والتفسير والكلام وغيرهم من الكلام في هذه المسألة ما هو معروف. ولهذا صار طائفة من أهل الكلام، كهشام بن الحكم، والجهم، وأبي الحسين البصري، والرازي، وغيرهم -إلى إثبات أمور متجددة.

والكلام على هذا متعلق بما ذكره الله في القرآن في غير موضع.

كقوله: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه [سورة البقرة: 143]. [ ص: 396 ]

وقوله تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين [سورة آل عمران: 142].

وقوله: وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء [سورة آل عمران: 140].

وقوله: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم [سورة آل عمران: 165] إلى قوله: فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا [سورة آل عمران: 165-166] الآية.

وقوله: ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا [سورة الكهف: 12].

وقوله: ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين إلى قوله: وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين [سورة العنكبوت: 3-11].

وغير ذلك في كتاب الله. هذا مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها، على أن الله عالم بما سيكون قبل أن يكون.

وقد نص الأئمة على أن من أنكر العلم القديم فهو كافر.

ومن هؤلاء غلاة القدرية، الذين ينكرون علمه بأفعال العباد قبل أن يعملوها، والقائلون بالبداء من الرافضة ونحوهم. [ ص: 397 ]

وإنما المسألة الدقيقة أنه عند وجود المسموع والمرئي والمعلوم، إذا سمعه ورآه علمه موجودا فهل هذا عين ما كان موجودا قبل وجود ذلك؟ أو هناك معنى زائد؟

وأما قول من قال من الفلاسفة: إنه لا يعلم إلا الكليات، فهذا من أخبث الأقوال وشرها، ولهذا لم يقل به أحد من طوائف الملة.

وهؤلاء شر من المنكرين لعلم القديم، من القدرية وغيرهم.

وأما ما ذكره من أن الفلاسفة لا يقولون: إنه لا يعلم الجزئيات، بل يرون أنه لا يعلمها بالعلم المحدث، وإنكاره أن يكون المشاؤون من الفلاسفة ينكرون علمه بجزيئات العالم، فهذا يدل على فرط تعصبه لهؤلاء الفلاسفة بالباطل، وعدم معرفته بحقيقة مذهبهم، فإنه دائما يتعصب لأرسطو، صاحب التعاليم المنطقية والإلهية.

التالي السابق


الخدمات العلمية