الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قلت: هذه الأدلة فيها للمنازعين كلام يحتاج معه إلى فصل الخطاب، كما ذكر في موضعه. وهذه الطريقة التي سلكها أبو الخطاب، وغيره من أهل النظر: من المعتزلة وغيرهم، بنوها على أن معرفة الله تحصل [ ص: 57 ] بالاستدلال بنفس الإنسان، ولا يحتاج مع ذلك إلى إثبات حدوث الأجسام، كما سلك الأشعري أيضا هذه الطريقة.

قال أبو الخطاب: (احتج الخصم بظواهر الآية، كقوله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [سورة الإسراء: 15]، ولم يقل: حتى نجعل عقولا.

وقوله تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [سورة النساء: 165]، ولم يقل: بعد العقل.

وقوله: ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى [سورة طه: 134]، وغير ذلك من الآيات، فجعل الحجة والعذاب يتعلق بالرسل.

فثبت أنه لا يثبت بالمعقول حجة ولا عذاب).

وقال: (والجواب أن الله بعث الرسل يأمرون بالشرائع والأحكام، وينذرونهم قرب الساعة ووقوع الجزاء على الأعمال، ويبشرونهم على الطاعة وشكر النعمة بدوام النعمة ومزيدها في دار الخلود، ويخوفونهم على المعصية بالعذاب الشديد، ويكونوا شهودا على أعمالهم.

وقد قال تعالى: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا [سورة الفتح: 8].

وقال: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [سورة النساء: 41].

وهذا بعد أن يعرفوا الله بعقولهم، ويردون الشبهات المؤدية إلى التعطيل [ ص: 58 ] والتشبيه، بالحكمة التي جعلها الله فيهم، والنور العقلي المفرق بين الحق والباطل، وإلا فنحن نعلم أن المفكر إذا خطر بباله أن الكتاب لعله مخترع مختلق من جهة مخلوق، والرسول لعله متخرص متمخرق، لم يخرج ذلك من قلبه الرجوع إلى الآيات والسنة، وهو يتوهم فيها ما ذكرنا. وإنما يرجع إليه بعد ما ثبت عنده حقيقة التوحيد وصدق الرسول، وأن القرآن كلام الله الذي لا يجوز عليه الكذب، وعرف محكم الكتاب من متشابهه، وعرف طرق الأخبار وما يجب فيها، فإنه يستغني حينئذ عن النظر بعقله).

قال: (فإن قيل: هذا توهين لأمر الرسل، وجعلهم لا يغنون في التوحيد شيئا، وإنما يفيد بعثهم في الفروع، وأنه لا فائدة من الآيات التي ذكر فيها التوحيد والدعوة إليه).

ثم قال: (والجواب: أنا نقول: بل لهم في الأصول أعظم فائدة؛ لأنهم ينبهون العقول الغافلة، ويدلون على المواضع المحتاج إليها في النظر؛ ليسهل سبيل الوقوف عليها، كما يسهل من يقرأ عليه الكتاب على المتعلم بأن يدله على الرموز، ويبين له مواضع الحجة والفائدة، وإن كان ذلك لا يغنيه عن النظر في الكتاب وقراءته.

وأيضا فإنه بعثهم لتأكيد الحجة، فيؤكدون الحجة على العباد كيلا يقولوا: خلقت لنا الشهوات، وشغلتنا بالملاذ عن التفكر والتدبر فغفلنا. فقطع الله سبحانه حجتهم [ ص: 59 ] ألا ترى أنه تعالى قال: أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير [سورة فاطر: 37]، فجعل الحجة عليهم طول العمر للتفكر والتذكر، ثم التدبر للتنبيه).

التالي السابق


الخدمات العلمية