الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                            صفحة جزء
                                                                                            15235 قال ابن إسحاق : قال عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : حدثت عن زينب أنها قالت : بينما أنا أتجهز بمكة للحوق بأبي [ ص: 215 ] لقيتني هند بنت عتبة ، فقالت : يا بنت عمي ، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك ، أو ما تبلغين به إلى أبيك [ فإن عندي في حاجتك ] ، فلا تضطني منه ; فإنه لا يدخل بين النساء ما [ يدخل ] بين الرجال . قالت : ووالله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل ، ولكني خفتها ، فأنكرت أن أكون أريد ذلك ، فتجهزت ، فلما فرغت من جهازي قدم إلي حموي كنانة بن الربيع أخو زوجي بعيرا فركبته ، وأخذ قوسه وكنانته ، ثم خرج بها نهارا يقود بها ، وهي في هودجها ، وتحدثت بذلك رجال قريش ، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى ، وكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي ، ونافع بن عبد القيس الزهري ، فروعها هبار [ بقينة بني أبي عبيدة بن عتبة بن نافع الذي بإفريقية ] فروعها هبار [ بالرمح ] وهي في هودجها ، وكانت حاملا - فيما يزعمون - فلما وقعت ألقت ما في بطنها ، فنزل حموها ونثر كنانته ، وقال : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما ، فتكركر الناس عنه ، وجاء أبو سفيان في جلة من قريش ، فقال : أيها الرجل ، كف عنا نبلك حتى نكلمك ، فكف ، وأقبل أبو سفيان فأقبل عليه ، فقال : إنك لم تصب ، خرجت بامرأة على رءوس الناس نهارا ، وقد علمت مصيبتنا ونكبتنا ، وما دخل علينا من محمد ، فيظن الناس إذا خرجت إليه ابنته علانية من بين ظهرانينا أن ذلك من ذل أصابنا عن مصيبتنا التي كانت ، وأن ذلك منا ضعف ووهن ، وإنه لعمري ما لنا في حبسها عن أبيها حاجة ، ولكن أرجع المرأة حتى إذا هدأ الصوت وتحدث الناس أنا قد رددناها ، فسلها سرا وألحقها بأبيها . قال : ففعل ، وأقامت ليالي حتى إذا هدأ الناس ، خرج بها ليلا فأسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه ، فقدما بها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقام أبو العاص بمكة ، وكانت زينب عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد فرق الإسلام بينهما ، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام ، وكان رجلا مأمونا بأموال له ، وأموال لرجال من قريش أبضعوها معه ، فلما فرغ من تجارته أقبل قافلا ، فلقيته سرية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأصابوا ما معه ، وأعجزهم هاربا ، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل أبو العاص بن الربيع تحت الليل ، حتى دخل على زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستجارها فأجارته ، وجاء في طلب ماله .

                                                                                            فلما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى صلاة الصبح - كما [ ص: 216 ] حدثني يزيد بن رومان - فكبر وكبر الناس ، خرجت زينب من صفة النساء ، وقالت : أيها الناس ، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع . فلما سلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة ، أقبل على الناس ، فقال : " أيها الناس ، أسمعتم ؟ " . قالوا : نعم . قال : " أما والذي نفسي بيده ما علمت بشيء كان حتى سمعته ، إنه ليجير على المسلمين أدناهم " . ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى دخل على ابنته ، فقال : " يا بنية ، أكرمي مثواه ، ولا يخلص إليك ، فإنك لا تحلين له
                                                                                            " .

                                                                                            التالي السابق


                                                                                            الخدمات العلمية