الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَالَ تَعَالَى : ( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) ( 34 ) ( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ( 35 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( أَمَّنْ لَا يَهِدِّي ) : فِيهَا قِرَاءَاتٌ قَدْ ذَكَرْنَا مِثْلَهَا فِي قَوْلِهِ : ( يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ) : وَوَجَّهْنَاهَا هُنَاكَ . وَأَمَّا : ( إِلَّا أَنْ يُهْدَى ) : فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : ( إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ) : وَقَدْ ذُكِرَ فِي النِّسَاءِ ، وَلَهُ نَظَائِرُ قَدْ ذُكِرَتْ أَيْضًا . ( فَمَا لَكُمْ ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ; أَيْ أَيُّ شَيْءٍ لَكُمْ فِي الْإِشْرَاكِ . وَ ( كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) : مُسْتَأْنَفٌ ; أَيْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ بِأَنَّ لَهُ شَرِيكًا . قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ( 12 ) قَوْلُهُ تَعَالَى : ( لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) : فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ ; أَيْ إِغْنَاءً . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِيُغْنِي . وَ ( مِنَ الْحَقِّ ) حَالٌ مِنْهُ . قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 37 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ ) : ( هَذَا ) اسْمُ كَانَ ، وَ ( الْقُرْآنُ ) نَعْتٌ لَهُ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ . وَ ( أَنْ يُفْتَرَى ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ ; أَيْ وَمَا كَانَ الْقُرْآنُ افْتِرَاءً ، وَالْمَصْدَرُ هُنَا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ ; أَيْ مُفْتَرًى . وَالثَّانِي : التَّقْدِيرُ مَا كَانَ الْقُرْآنُ ذَا افْتِرَاءٍ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ خَبَرَ كَانَ مَحْذُوفٌ ; وَالتَّقْدِيرُ : مَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ مُمْكِنًا أَنْ يُفْتَرَى . وَقِيلَ : التَّقْدِيرُ : لِأَنْ يُفْتَرَى . وَ ( تَصْدِيقَ ) : مَفْعُولٌ لَهُ ; أَيْ وَلَكِنْ أُنْزِلَ لِلتَّصْدِيقِ . وَقِيلَ : التَّقْدِيرُ : وَلَكِنْ كَانَ التَّصْدِيقَ الَّذِي ; أَيْ مُصِدِّقَ الَّذِي . ( وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ ) : مِثْلَ تَصْدِيقٍ . ( لَا رَيْبَ فِيهِ ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنَ الْكِتَابِ ، " وَالْكِتَابِ " مَفْعُولٌ فِي الْمَعْنَى وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا . ( مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا أُخْرَى ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَحْذُوفِ ; أَيْ وَلَكِنْ أُنْزِلَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ . قَالَ تَعَالَى : ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 39 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : " كَيْفَ " خَبَرُ كَانَ . وَ " عَاقِبَةُ " اسْمُهَا . قَالَ تَعَالَى : ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ ( 42 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ( 43 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ) : الْجَمْعُ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنَى ( مَنْ ) ، وَالْإِفْرَادُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( مَنْ يَنْظُرُ ) مَحْمُولٌ عَلَى لَفْظِهَا . قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ; أَيْ لَا يَنْقُصُهُمْ شَيْئًا ، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ . قَالَ تَعَالَى : ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ( 45 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا ) : الْكَلَامُ كُلُّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ، وَالْعَامِلُ فِيهِ ( يَحْشُرُهُمْ ) ، وَكَأَنْ هَاهُنَا مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ ; أَيْ كَأَنَّهُمْ . وَ ( سَاعَةً ) : ظَرْفٌ لِيَلْبَثُوا ، وَ ( مِنَ النَّهَارِ ) : نَعْتٌ لِسَاعَةٍ وَقِيلَ : " كَأَنْ لَمْ " صِفَةُ الْيَوْمِ ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ; أَيْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ . وَقِيلَ : هُوَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ; أَيْ حَشْرًا كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ ، وَالْعَامِلُ فِي " يَوْمٍ " اذْكُرْ . ( يَتَعَارَفُونَ ) حَالٌ أُخْرَى ، وَالْعَامِلُ فِيهَا " يَحْشُرُهُمْ " وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ ; لِأَنَّ التَّعَارُفَ لَا يَكُونُ حَالَ الْحَشْرِ . ( قَدْ خَسِرَ ) : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا ; وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ : يَقُولُونَ : قَدْ خَسِرَ ، وَالْمَحْذُوفُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يَتَعَارَفُونَ . قَالَ تَعَالَى : ( وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ( 46 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ ) : ثُمَّ هَاهُنَا غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ تَرْتِيبًا فِي الْمَعْنَى ، وَإِنَّمَا رَتَّبَتِ الْأَخْبَارَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ، كَقَوْلِكَ : زَيْدٌ عَالِمٌ ، ثُمَّ هُوَ كَرِيمٌ . قَالَ تَعَالَى : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ( 50 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( مَاذَا يَسْتَعْجِلُ ) : قَدْ ذَكَرْنَا فِي ( مَاذَا ) فِي الْبَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( مَاذَا يُنْفِقُونَ ) : [ الْبَقَرَةِ : 219 ، 215 ] قَوْلَيْنِ ، وَهُمَا مَقُولَانِ هَاهُنَا . وَقِيلَ : فِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ ; وَهُوَ أَنْ تَكُونَ " مَاذَا " اسْمًا وَاحِدًا مُبْتَدَأً ، وَ " يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ " الْخَبَرَ ، وَقَدْ ضُعِّفَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْخَبَرَ هَاهُنَا جُمْلَةٌ مِنْ فِعْلٍ وَفَاعِلٍ ، وَلَا ضَمِيرَ فِيهِ يَعُودُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ . وَرُدَّ هَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْعَائِدَ الْهَاءُ فِي " مِنْهُ " فَهُوَ كَقَوْلِكَ : زَيْدٌ أَخَذْتُ مِنْهُ دِرْهَمًا . قَالَ تَعَالَى : ( أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ( 51 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( آلْآنَ ) : فِيهَا كَلَامٌ قَدْ ذُكِرَ مِثْلُهُ فِي الْبَقَرَةِ ، وَالنَّاصِبُ لَهَا مَحْذُوفٌ ، تَقْدِيرُهُ آمَنْتُمُ الْآنَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية