الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَالَ تَعَالَى : ( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ( 28 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ) : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ " مِنْ " مُتَعَلِّقَةً بِالْفِعْلِ ، وَأَنْ تَكُونَ مِنْ نَعْتِ الرَّحْمَةِ . ( فَعَمِيَتْ ) أَيْ خَفِيَتْ عَلَيْكُمْ ; لِأَنَّكُمْ لَمْ تَنْظُرُوا فِيهَا حَقَّ النَّظَرِ . وَقِيلَ الْمَعْنَى : عَمِيتُمْ عَنْهَا ، كَقَوْلِهِمْ : أَدْخَلْتُ الْخَاتَمَ فِي أُصْبُعِي . وَيُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ وَالضَّمِّ ; أَيْ أُبْهِمَتْ عَلَيْكُمْ عُقُوبَةً لَكُمْ . وَ ( أَنُلْزِمُكُمُوهَا ) الْمَاضِي مِنْهُ أَلْزَمْتُ ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ ، وَدَخَلَتِ الْوَاوُ هُنَا تَتِمَّةً لِلْمِيمِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي مِيمِ الْجَمْعِ . وَقُرِئَ بِإِسْكَانِ الْمِيمِ الْأُولَى فِرَارًا مِنْ تَوَالِي الْحَرَكَاتِ . قَالَ تَعَالَى : ( وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 31 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( تَزْدَرِي ) : الدَّالُ بَدَلٌ مِنَ التَّاءِ وَأَصْلُهَا تَزْتَرِي ، وَهُوَ تَفْتَعِلُ مِنْ زَرِيتُ ، وَأُبْدِلَتْ دَالًا لِتَجَانُسِ الزَّايِ فِي الْجَهْرِ ، وَالتَّاءُ مَهْمُوسَةٌ ، فَلَمْ تَجْتَمِعْ مَعَ الزَّايِ . قَالَ تَعَالَى : ( قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( قَدْ جَادَلْتَنَا ) : الْجُمْهُورُ عَلَى إِثْبَاتِ الْأَلِفِ ، وَكَذَلِكَ " جِدَالَنَا " . وَقُرِئَ : " جَدَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جَدَلَنَا " بِغَيْرِ أَلِفٍ فِيهِمَا ، وَهُوَ بِمَعْنَى غَلَبْتَنَا بِالْجَدَلِ . قَالَ تَعَالَى : ( وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 34 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ ) : حُكْمُ الشَّرْطِ ، إِذَا دَخَلَ عَلَى الشَّرْطِ ، أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ الثَّانِي وَالْجَوَابُ جَوَابًا لِلشَّرْطِ الْأَوَّلِ ; كَقَوْلِكَ : إِنْ أَتَيْتَنِي إِنْ كَلَّمْتَنِي أَكْرَمْتُكَ ، فَقَوْلُكَ إِنْ كَلَّمْتَنِي أَكْرَمْتُكَ ، جَوَابُ إِنْ أَتَيْتَنِي ; وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ فِي الذِّكْرِ مُؤَخَّرًا فِي الْمَعْنَى حَتَّى لَوْ أَتَاهُ ثُمَّ كَلَّمَهُ لَمْ يَجِبِ الْإِكْرَامُ . وَلَكِنْ إِنْ كَلَّمَهُ ثُمَّ أَتَاهُ ، وَجَبَ إِكْرَامُهُ . وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الْجَوَابَ صَارَ مَعُوقًا بِالشَّرْطِ الثَّانِي ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ ) [ الْأَحْزَابُ : 50 ] . قَالَ تَعَالَى : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ( 35 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَعَلَيَّ إِجْرَامِي ) : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ مَصْدَرُ أَجْرَمَ ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى : " جَرْمٌ " . وَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَهُوَ جَمْعُ جُرْمٍ . قَالَ تَعَالَى : ( وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ( 36 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ ) : يُقْرَأُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَ " أَنَّهُ " فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِأُوحِيَ . وَيُقْرَأُ بِكَسْرِهَا ، وَالتَّقْدِيرُ : قِيلَ : إِنَّهُ ، وَالْمَرْفُوعُ بِأُوحِيَ . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ ) : اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فِي الْمَعْنَى ، وَهُوَ فَاعِلُ " لَنْ يُؤْمِنَ " . قَالَ تَعَالَى : ( وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 37 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( بِأَعْيُنِنَا ) : فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي " اصْنَعْ " أَيْ مَحْفُوظًا . قَالَ تَعَالَى : ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ( 40 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) : يُقْرَأُ " كُلِّ " بِالْإِضَافَةِ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَفْعُولَ " احْمِلْ " : " اثْنَيْنِ " تَقْدِيرُهُ : احْمِلْ فِيهَا اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ ، فَمِنْ عَلَى هَذَا حَالٌ ، لِأَنَّهَا صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا . وَالثَّانِي : أَنَّ " مِنْ " زَائِدَةٌ وَالْمَفْعُولُ " كُلِّ " وَاثْنَيْنِ تَوْكِيدٌ ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ الْأَخْفَشِ . وَيُقْرَأُ " مِنْ كُلٍّ " بِالتَّنْوِينِ ; فَعَلَى هَذَا مَفْعُولُ " احْمِلْ " : " زَوْجَيْنِ " ، " وَاثْنَيْنِ " تَوْكِيدٌ لَهُ " وَمِنْ " عَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِاحْمِلْ ، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا ; وَالتَّقْدِيرُ : مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَوْ صِنْفٍ . ( وَأَهْلَكَ ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَفْعُولِ . وَ ( إِلَّا مَنْ سَبَقَ ) اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ . ( وَمَنْ آمَنَ ) : مَفْعُولُ احْمِلْ أَيْضًا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية