الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
قَالَ تَعَالَى : ( وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 69 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( قَالَ إِنِّي أَنَا ) : هُوَ مُسْتَأْنَفٌ ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا اقْتَضَى جَوَابًا وَذُكِرَ جَوَابُهُ ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدَهُ " قَالَ " فَهِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ . قَالَ تَعَالَى : ( قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ( 72 ) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ( 73 ) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ ( 74 ) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 75 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( صُوَاعَ الْمَلِكِ ) : الْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الصَّادِ ، وَأَلِفٍ بَعْدِ الْوَاوِ . وَيُقْرَأُ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَضُمُّ الصَّادَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُهَا . وَيُقْرَأُ " صَاعَ الْمَلِكِ " . وَكُلُّ ذَلِكَ لُغَاتٌ فِيهِ ، وَهُوَ الْإِنَاءُ الَّذِي يُشْرَبُ بِهِ . وَيُقْرَأُ " صَوْغَ الْمَلِكِ " - بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ; أَيْ مَصُوغَهُ . ( قَالُوا جَزَاؤُهُ ) : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ ; تَقْدِيرُهُ : جَزَاؤُهُ عِنْدَنَا كَجَزَائِهِ عِنْدَكُمْ ، وَالْهَاءُ تَعُودُ عَلَى السَّارِقِ ، أَوْ عَلَى السَّرَقِ . وَفِي الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ دَلِيلٌ عَلَيْهِمَا ; فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ : ( مَنْ وُجِدَ ) : مُبْتَدَأً ، وَ " فَهُوَ " مُبْتَدَأٌ ثَانٍ ، وَ ( جَزَاؤُهُ ) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الثَّانِي ، وَالْمُبْتَدَأُ الثَّانِي وَخَبَرُهُ خَبَرُ الْأَوَّلِ . وَ ( مَنْ ) شَرْطِيَّةٌ ، وَالْفَاءُ جَوَابُهَا . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي ، وَدَخَلَتِ الْفَاءُ فِي خَبَرِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الْإِبْهَامِ ، وَالتَّقْدِيرُ : اسْتِعْبَادُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ - أَيِ الِاسْتِعْبَادُ - جَزَاءُ السَّارِقِ . وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي جَزَائِهِ لِلسَّرَقِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ " جَزَاؤُهُ " مُبْتَدَأً ، وَ " مَنْ وُجِدَ " خَبَرُهُ ، وَالتَّقْدِيرُ : اسْتِعْبَادُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ ، وَ " فَهُوَ جَزَاؤُهُ " مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنَى الْأَوَّلِ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ جَزَاؤُهُ مُبْتَدَأً ، وَمَنْ وُجِدَ : مُبْتَدَأٌ ثَانٍ ، وَ " فَهُوَ " مُبْتَدَأٌ ثَالِثٌ ، وَ " جَزَاؤُهُ " خَبَرُ الثَّالِثِ ، وَالْعَائِدُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ الْهَاءُ الْأَخِيرَةُ ، وَعَلَى الثَّانِي هُوَ . ( كَذَلِكَ نَجْزِي ) : الْكَافُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ; أَيْ جَزَاءً مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ تَعَالَى : ( فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ( 76 ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وِعَاءِ أَخِيهِ ) : الْجُمْهُورُ عَلَى كَسْرِ الْوَاوِ ، وَهُوَ الْأَصْلُ ; لِأَنَّهُ مِنْ : وَعَى يَعِي . وَيُقْرَأُ بِالْهَمْزَةِ ، وَهِيَ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ ; وَهُمَا لُغَتَانِ يُقَالُ : وِعَاءٌ وَإِعَاءٌ ، وَوِشَاحٌ وَإِشَاحٌ ، وَوِسَادَةٌ وَإِسَادَةٌ ; وَإِنَّمَا فَرُّوا إِلَى الْهَمْزِ لِثِقَلِ الْكَسْرَةِ عَلَى الْوَاوِ . وَيُقْرَأُ بِضَمِّهَا ، وَهِيَ لُغَةٌ . فَإِنْ قِيلَ : لِمَ لَمْ يَقُلْ : فَاسْتَخْرَجَهَا مِنْهُ ، لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ ؟ . قِيلَ : لَمْ يُصَرِّحْ بِتَفْتِيشِ وِعَاءِ أَخِيهِ حَتَّى يُعِيدَ ذِكْرَهُ مُضْمَرًا ، فَأَظْهَرَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى الْمَحْذُوفِ ، فَتَقْدِيرُهُ : ثُمَّ فَتَّشَ وِعَاءَ أَخِيهِ ، فَاسْتَخْرَجَهَا مِنْهُ . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( كَذَلِكَ كِدْنَا ) ، وَ ( إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ) ، وَ ( دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ) : كُلُّ ذَلِكَ قَدْ ذُكِرَ . ( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) : يُقْرَأُ شَاذًّا " ذِي عَالِمٍ " وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : هُوَ مَصْدَرٌ كَالْبَاطِلِ . وَالثَّانِي : ذِي زَائِدَةٌ ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الشِّعْرِ ، كَقَوْلِ الْكُمَيْتِ : إِلَيْكُمْ ذَوِي آلِ النَّبِيِّ وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ أَضَافَ الِاسْمَ إِلَى الْمُسَمَّى ; وَهُوَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : ذِي مُسَمَّى عَالِمٍ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية