الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                مسألة : في الغضب

                                                                                                                في " الموطأ " : جاء رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : علمني كلمات أعيش بهن ، ولا تكثر علي فأنسى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تغضب " . وقال عليه السلام : " ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ، قال الباجي : جمع له عليه السلام جوامع الخير في قوله : " لا تغضب " ، فإن الغضب يدخل عليه الآثام ، وعلى الناس في معاداته ، وتفوت عليه مصالح دنياه ، وأخراه ، ومعنى " لا تغضب " : لا تمض ما يبعثك عليه غضبك ، فالمنهي عنه آثار الغضب لا الغضب ; لأنه يهجم على النفس قهرا عند أسبابه ، ويتفاضل الناس أيضا في مدافعة الغضب عن أنفسهم ، فبسبب المدافعة لا يغضب من السبب الحقير ، وهذا في أسباب الدنيا ، وأما في القيام بالحق فقد يجب الغضب في الجهاد ، وأهل العناد بالباطل [ ص: 335 ] وغيره ، وقد يكون مندوبا إذا علمت أنه يبعث على الخير ، ويحث على ترك الشرور ممن يعلم ذلك منك ، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل ، فغضب حتى احمرت وجنتاه ، وقال : " ما لك ولها " . ويحتمل أن يكون هذا السائل في الحديث الأول علم منه كثرة الغضب فخصه عليه السلام بالوصية على ترك الغضب ، والصرعة الذي يكثر منه أن يصرع الناس ، كالهزأة ، والضحكة ، والنومة ، وقوله عليه السلام : " ليس الشديد بالصرعة " . لم يرد نفي الشدة عنه ، فإنه بالضرورة شديد ، بل أراد نفي الشدة التامة أو الشدة النافعة ، فإن الذي يملك نفسه عند الغضب هو أعظم شدة ، وانفتح نفعا عظيما ، كما قال عليه السلام : " إنما الكريم يوسف " ، لم يرد نفي الكرم عن غيره ، بل أراد إثبات مزية له في الكرم منفية عن غيره .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية