الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  3209 59 - حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة أنه سأل عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت قوله: حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا أو كذبوا، قالت: بل كذبهم قومهم، فقلت: والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم، وما هو بالظن، فقالت: يا عرية لقد استيقنوا بذلك، قلت: فلعلها أو كذبوا، قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، وأما هذه الآية قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتى إذا استيأست ممن كذبهم من قومهم، وظنوا أن أتباعهم كذبوهم جاءهم نصر الله

                                                                                                                                                                                  [ ص: 281 ]

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  [ ص: 281 ] ما رأيت أحدا ذكر وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة، ولكن له مناسبة للحديث السابق من حيث مجيء النصر في حق كل ممن ذكر فيها بعد اليأس، فيكون هذا مطابقا للحديث السابق من هذا الوجه، ثم نقول: المطابق للمطابق للشيء مطابق لذلك الشيء.

                                                                                                                                                                                  ورجاله ذكروا غير مرة.

                                                                                                                                                                                  قوله: "أرأيت" أي أخبريني.

                                                                                                                                                                                  قوله: "وقوله" أي قول الله تعالى: حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا وتمام الآية جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين .

                                                                                                                                                                                  قوله: إذا استيئس الرسل من اليأس وهو القنوط، ونذكر بقية الكلام فيه عن قريب.

                                                                                                                                                                                  قوله: وظنوا أي الرسل ظنوا أنهم كذبوا، وفهم عروة من ظاهر الكلام أن نسبة الظن بالتكذيب لا يليق في حق الرسل، فقالت له عائشة: ليس كما زعمت، بل معناه ما أشارت إليه بقوله بكلمة الإضراب بل كذبهم قومهم في وعد العذاب، وقريب منه ما روي عن ابن عباس: وظنوا حين ضعفوا وغلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم الله من النصر، وقال الزمخشري: وظنوا أنهم قد كذبوا أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون.

                                                                                                                                                                                  قوله: "فقلت" القائل هو عروة، فكأنه أشكل عليه قوله: "وظنوا" لأنهم تيقنوا وما ظنوا فقال: "والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم" فردت عليه عائشة بقولها: يا عرية لقد استيقنوا بذلك، وأشارت بذلك أن الظن هنا بمعنى اليقين، كما في قوله تعالى: وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه أي تيقنوا، ثم عاد عروة إليها فقال: "أو كذبوا" بالتخفيف، ولفظ القرآن على لفظ الفاعل على معنى وظن الرسل أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به قومهم، فأجابت عائشة بقولها: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، وأشارت بذلك إلى ما فهمه عروة منه، ولما لم ترض عائشة بما قاله في الموضعين خاطبته بقولها: "يا عرية" بالتصغير، ولكنه تصغير الشفقة والمحبة والدلال، وليس تصغير التحقير، وأصلها: "عريوة" اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.

                                                                                                                                                                                  قوله: "وأما هذه الآية" جواب "أما" محذوف، تقديره: فالمراد من الظانين فيها هم أتباع الرسل إلى آخره.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية