الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  3770 وقال الليث : حدثني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية فيسألها عن حديثها ، وعن ما قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استفتته ، فكتب عمر بن عبد الله بن الأرقم إلى عبد الله بن عتبة يخبره أن سبيعة بنت الحارث أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة ، وهو من بني عامر بن لؤي ، وكان ممن شهد بدرا ، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل ، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته ، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب ، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك ، رجل من بني عبد الدار ، فقال لها : ما لي أراك تجملت للخطاب ترجين النكاح ، فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر ، قالت سبيعة : فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت ، وأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته عن ذلك ،فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي ، وأمرني بالتزوج إن بدا لي .

                                                                                                                                                                                  [ ص: 103 ]

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  [ ص: 103 ] ذكره هنا لأجل قوله : وكان ممن شهد بدرا .

                                                                                                                                                                                  وعبيد الله بضم العين يروي عن أبيه عبد الله بن عتبة بضم العين وسكون المثناة من فوق ابن مسعود الهذلي ، يروي عن عمر بن عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث الزهري ، وعبد الله بن الأرقم أسلم عام الفتح ، وكتب للنبي - صلى الله عليه وسلم - واستعمله عمر بن الخطاب على بيت المال ، وسبيعة بضم السين المهملة وفتح الباء الموحدة مصغر سبعة ، بنت الحارث الأسلمية ، وتعليق الليث وصله قاسم بن أصبغ في مصنفه ، عن المطلب بن شعيب ، عن عبد الله بن صالح ، عن الليث ، بتمامه .

                                                                                                                                                                                  والحديث أخرجه أيضا في الطلاق مختصرا عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن يزيد بن أبي خبيب ، وأخرجه مسلم في الطلاق عن أبي الطاهر بن أبي السرح وحرملة بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن داود ، وأخرجه النسائي فيه عن يونس بن عبد الأعلى ، وعن كثير بن عبيد ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة .

                                                                                                                                                                                  قوله: " يأمره " من الأحوال المقدرة . قوله : " حين استفتته " أي : في انقضاء عدة الحامل بالوضع . قوله : " يخبره " من الأحوال المقدرة أيضا . قوله : " سعد بن خولة " بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وباللام ، وهو من بني عامر بن لؤي من أنفسهم عند بعضهم ، وعند بعضهم هو حليف لهم ، وقال ابن هشام : هو من اليمن ، حليف لبني عامر بن لؤي ، وقال غيره : كان من عجم الفرس ، وكان من مهاجرة الحبشة الهجرة الثانية في قول الواقدي ، وذكر ابن هشام عن زياد عن ابن إسحاق أنه ممن شهد بدرا ، وكذا في رواية البخاري . قوله : " في حجة الوداع " هذا لا خلاف فيه إلا ما ذكره الطبري محمد بن جرير ، فإنه قال : توفي سعد بن خولة سنة سبع ، والصحيح ما ذكره البخاري . قوله : " وهي " أي : سبيعة " ذات حمل " . قوله : " فلم تنشب " أي : فلم تلبث أن وضعت حملها بعد وفاته ، أي : وفاة سعد بن خولة ، وقال أبو عمر : وضعت بعد وفاة زوجها بليال ، وقيل : بخمس وعشرين ليلة ، وقيل : بأقل من ذلك . قوله : " فلما تعلت " بفتح العين المهملة وتشديد اللام ، يقال : تعلت المرأة من نفاسها وتعللت إذا خرجت منه وطهرت من دمها . قوله : " تجملت " أي : تزينت . قوله : " للخطاب " بضم الخاء المعجمة جمع خاطب . قوله : " أبو السنابل " بفتح السين المهملة والنون وبالباء الموحدة وباللام " ابن بعكك " بفتح الباء الموحدة وإسكان العين المهملة وفتح الكاف الأولى ، وهو منصرف ، واسمه عمرو ، قاله الكرماني ، وقال أبو عمر في باب الحاء في الاستيعاب : حبة بن بعكك ، أبو السنابل القرشي العامري ، وهو مشهور بكنيته ، وحبة بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة ، وذكر في باب الكنى أبو السنابل بن بعكك بن الحجاج بن الحارث بن السباق بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري ، وأمه عمرة بنت أوس من بني عذرة بن هذيم ، قيل : اسمه حبة بن بعكك ، من مسلمة الفتح ، كان شاعرا ، ومات بمكة ، روى عنه الأسود بن يزيد قصته مع سبيعة الأسلمية . قوله : " لعلك ترجين " من الترجية ، وفي رواية مسلم : فقال أبو السنابل : ما لي أراك متجملة ، لعلك ترجين النكاح ، إنك والله ما أنت بناكح ، أي : ليس من شأنك النكاح ولست من أهله ، يقال : امرأة ناكح مثل حائض وطالق ، ولا يقال ناكحة إلا إذا أرادوا بناء الاسم لها ، فيقال : نكحت فهي ناكحة . قوله : " إن بدا لي " أي : ظهر لي . وفي مسلم بعد هذا قال ابن شهاب : فلا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أنها لا يقربها زوجها حتى تطهر ، قلت : وهذا قول أكثر الصحابة والفقهاء ، وتأولوا قوله تعالى : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا في الحائل دون الحامل عملا بالآية الأخرى وهي : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن وروي عن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أنها تعتد بآخر الأجلين ، وبه قال سحنون ، حكاه عنه عبد الحق ، وعند أصحابنا : عدة الحامل بوضع الحمل ، سواء كانت حرة أو أمة ، وسواء كانت العدة عن طلاق أو وفاة أو غير ذلك ; لأن آية الحمل متأخرة ، فيكون غيرها منسوخا بها أو مخصوصا .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية