الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  3815 [ ص: 139 ] وقول الله عز وجل : وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم وقوله جل ذكره : ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وقوله : ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم - تستأصلونهم قتلا - بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين وقوله تعالى : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا الآية .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  هذه الآيات كلها في سورة آل عمران ، وكلها تتعلق بوقعة أحد ، وقال ابن إسحاق : أنزل الله في شأن أحد ستين آية من آل عمران . وروى ابن أبي حاتم من طريق المسور بن مخرمة قال : قلت لعبد الرحمن بن عوف : أخبرني عن قصتكم يوم أحد . قال : اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجدها : وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ... إلى قوله : أمنة نعاسا .

                                                                                                                                                                                  قوله " وقول الله عز وجل " بالجر عطفا على قوله " غزوة أحد " .

                                                                                                                                                                                  قوله " وإذ غدوت " ، تقديره اذكر يا محمد حين غدوت ، أي خرجت أول النهار من حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها ، واختلف في هذا اليوم الذي عنى الله به ; فعند الجمهور المراد به يوم أحد - قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغير واحد ، وعن الحسن البصري المراد بذلك يوم الأحزاب - رواه ابن جرير ، وهو غريب لا يعول عليه ، وقيل يوم بدر ، وهو أيضا لا يعول عليه ، وكانت وقعة أحد يوم السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة ، وقال قتادة : لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال . وقال عكرمة : يوم السبت النصف من شوال . وقال ابن إسحاق : وكانت إقامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد قدومه من غزوة الفرع من نجران جمادى الآخرة ورجبا وشعبان وشهر رمضان، وغزوة قريش وغزوة أحد في شوال سنة ثلاث . وقال البلاذري : لتسع خلون من شوال . وقال مالك : كانت الوقعة أول النهار ، وهي التي أنزل الله فيها : وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال الآيات .

                                                                                                                                                                                  قوله " تبوئ المؤمنين " أي تنزلهم مقاعد ، أي منازل ، وتجعلهم ميمنة وميسرة . وقال الزمخشري : مقاعد أي مواطن ومواقف ، وقرئ " مقاعدا " بالتنوين .

                                                                                                                                                                                  قوله " للقتال " أي لأجل القتال مع المشركين من قريش وغيرهم ، وكانوا قريبا من ثلاثة آلاف ، ونزلوا قريبا من أحد تلقاء المدينة ، وكان قائدهم أبا سفيان ومعه زوجته هند بنت عتبة بن ربيعة ، وكان خالد بن الوليد على ميمنة خيلهم وعكرمة بن أبي جهل على ميسرتهم . وقال ابن سعد : وجعلوا على الخيل صفوان بن أمية ، وقيل عمرو بن العاص ، وعلى الرماة عبد الله بن أبي ربيعة ، وكانوا مائة ، وفيهم سبعمائة ذراع ، والظعن خمسة عشر . وقال ابن هشام : لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يوم أحد استعمل على المدينة ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس . وقال موسى بن عقبة : كانوا ألف رجل ، فلما نزل - صلى الله عليه وسلم - بأحد رجع عنه عبد الله بن أبي بن سلول في ثلاثمائة ، فبقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سبعمائة . قال البيهقي : هذا هو المشهور عند أهل المغازي . قال : والمشهور عن الزهري أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل ، ولم يكن معهم فرس واحد ، وكان مع المشركين مائة فرس . وقال الواقدي : وكان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسان ; فرس له صلى الله عليه وسلم - وفرس لأبي بردة ، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الرماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهم خمسون رجلا ، وقال : لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال - ثم جرى ما ذكره أهل السير .

                                                                                                                                                                                  قوله " والله سميع عليم " ; أي سميع بما تقولون عليم بضمائركم .

                                                                                                                                                                                  قوله " وقوله جل ذكره " بالجر أيضا عطفا على " قول الله عز وجل " .

                                                                                                                                                                                  قوله " ولا تهنوا " ; أي [ ص: 140 ] لا تضعفوا بسبب ما جرى ، وهذا تسلية من الله لرسوله وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد ، وأصل لا تهنوا لا توهنوا ; حذفت الواو طردا للباب لأنها حذفت في يهن - أصله يوهن - لوقوع الواو بين الياء والكسرة ، والوهن الضعف ، يقال وهن يهن بالكسر في المضارع ، ويستعمل وهن لازما ومتعديا ، قال تعالى : وهن العظم مني وفي الحديث : وهنتهم حمى يثرب . وقال الفراء : يقال وهنه الله وأوهنه - زاد غيره : ووهنه .

                                                                                                                                                                                  قوله " ولا تحزنوا " ; أي على ظهور أعدائكم وما فاتكم من الغنيمة ، وكان قد قتل يومئذ خمسة من المهاجرين ; وهم حمزة ومصعب بن عمير صاحب راية النبي - صلى الله عليه وسلم - وعبد الله بن جحش ابن عمة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وعثمان بن شماس وسعد مولى ابن عتبة ، ومن الأنصار سبعون رجلا .

                                                                                                                                                                                  قوله " وأنتم الأعلون " ، وهو جمع أعلى ; أي بالحجة في الدنيا والآخرة ، ولكم الغلبة فيما بعد .

                                                                                                                                                                                  قوله " إن كنتم مؤمنين " ; أي إذا كنتم ، وقيل : إذا دمتم على الإيمان في المستقبل .

                                                                                                                                                                                  قوله " إن يمسسكم قرح " الآية ، قال راشد بن سعد : انصرف النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يوم أحد كئيبا ، وجعلت المرأة تجيء بابنها وأبيها وزوجها مقتولين ، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : أهكذا تفعل برسولك ! فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ويقال أقبل علي رضي الله تعالى عنه يومئذ وفيه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية ، فجعل -صلى الله تعالى عليه وسلم - يمسحها بيده وهي تلتئم بإذن الله كأن لم تكن .

                                                                                                                                                                                  قوله " إن يمسسكم " من المس وهو الإصابة ، والقرح بالفتح الجراح واحدتها قرحة ، وبالضم اسم الجراح ، وبفتح الراء مصدر قرح يقرح . وقال الكسائي : القرح بالفتح والضم واحد ; أي الجراح . وقال الفراء : هو بالفتح مصدر قرحته ، فهو نفس الجراح ، وبالضم الألم .

                                                                                                                                                                                  وقال أبو البقاء بضم القاف والراء على الإتباع ، والمعنى - والله أعلم - لا تحزنوا أن أصابكم جرح يوم أحد ، فقد أصاب المشركين مثله يوم بدر ، ومع هذا إن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار .

                                                                                                                                                                                  قوله " وتلك الأيام " ، تلك مبتدأ والأيام خبره ، ونداولها في موضع الحال ، والعامل فيها معنى الإشارة ، ويجوز أن يكون الأيام بدلا أو عطف بيان ونداولها الخبر ، والمعنى : لا تهنوا ، فالحرب سجال ، وأنا أداول الأيام بين الناس ; فأديل الكافر من المؤمن تغليظا للمحنة والابتلاء ، ولو كانت الغلبة للمؤمنين لصاروا كالمضطرين ، ويقال نديل عليكم الأعداء تارة وإن كانت العاقبة لكم لما لنا في ذلك من الحكم ، ولهذا قال : وليعلم الله الذين آمنوا قال ابن عباس في مثل هذا : لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء .

                                                                                                                                                                                  قوله " ويتخذ منكم " ; أي وليتخذ منكم شهداء ، يعني نكرم ناسا منكم بالشهادة ، يعني المستشهدين يوم أحد ، وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة . وقال ابن جريج : كان المسلمون يقولون ربنا أرنا يوما كيوم بدر نلتمس فيه الشهادة ! فاتخذ الله منهم شهداء يوم أحد .

                                                                                                                                                                                  قوله " والله لا يحب الظالمين " ; أي المشركين .

                                                                                                                                                                                  قوله " وليمحص الله الذين آمنوا " معطوف على قوله " وليعلم الله " ، والتمحيص التطهير والتصفية ، وقيل التمحيص الابتلاء والاختبار ، والمعنى : ليكفر الله عن المؤمنين ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب وليرفع لهم درجات بحسب ما أصيبوا به .

                                                                                                                                                                                  قوله " ويمحق الكافرين " ; أي يهلكهم ، وقيل ينقصهم ويقللهم ، يقال محق الله الشيء وامتحق وانمحق .

                                                                                                                                                                                  قوله " أم حسبتم " ، كلمة " أم " منقطعة ، ومعنى الهمزة فيها الإنكار ، والمعنى : أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد كما دخل الذين قتلوا وثبتوا على ألم الجراح .

                                                                                                                                                                                  قوله " ولما يعلم الله " ، كلمة " لما " بمعنى لم ، إلا أن فيه ضربا من التوقع ، فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل .

                                                                                                                                                                                  قوله " ويعلم الصابرين " ، قال الزجاج : الواو هنا بمعنى حتى ; أي حتى يعلم صبرهم ، وقرأ الحسن بكسر الميم عطفا على الأول ، ومنهم من قرأ بالضم على تقدير وهو يعلم ، وحاصل المعنى : لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارعة الأعداء .

                                                                                                                                                                                  قوله " ولقد كنتم تمنون الموت " ، قال ابن عباس : لما أخبر الله تعالى على لسان نبيه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ما فعل بشهدائهم يوم بدر من الكرامة رغبوا في ذلك ، فأراهم يوم أحد ، فلم يلبثوا أن انهزموا ، فنزلت هذه الآية ; أي " ولقد كنتم تمنون الموت " أي القتال " من قبل أن تلقوه " يوم أحد " فقد رأيتموه " يومئذ " وأنتم تنظرون " يعني الموت في لمعان السيوف وحد الأسنة واشتباك الرماح وصفوف الرجال للقتال ، فكيف انهزمتم ؟

                                                                                                                                                                                  فإن قلت : كيف جاز تمني الشهادة وفيه غلبة الكفار على المسلمين ؟ قلت : لأن غرض المتمني ليس إلا [ ص: 141 ] حصول الشهادة مع قطع النظر عن غلبة الكفار وإن كان متضمنا لها .

                                                                                                                                                                                  قوله " ولقد صدقكم الله وعده " ، قال محمد بن كعب : لما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من أحد إلى المدينة قال قوم منهم : من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر ؟ ! فنزلت هذه الآية ، قال المفسرون : وعدهم الله النصر بأحد ، فلما طلبوا الغنيمة هزموا .

                                                                                                                                                                                  قوله " إذ تحسونهم بإذنه " ; أي حين تقتلونهم قتلا ذريعا بإذنه ، أي بأمره وتيسيره ، ويقال سنة حسوس إذا أتت على كل شيء ، وجراد محسوس إذا قتله البرد .

                                                                                                                                                                                  قوله " حتى إذا فشلتم " ; أي جبنتم وضعفتم ، يقال فشل الرجل يفشل فهو فشيل ، وفيه تقديم وتأخير - أي حتى إذا تنازعتم وعصيتم فشلتم ، وقيل حتى بمعنى إلى ، وحينئذ لا جواب ; أي صدقكم الله وعده إلى أن فشلتم وتنازعتم أي اختلفتم ، وكان ذلك في أول الأمر لما انهزم المشركون ، قال بعض الرماة الذين كانوا عند المركز : ما مقامنا هنا ! قد انهزم القوم . وقال بعضهم : لا تجاوزوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فثبت عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر يسير دون العشرة وانطلق الباقون ينتهبون ، فلما نظر خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ذلك حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله وأصحابه وأقبلوا على المسلمين .

                                                                                                                                                                                  قوله " وعصيتم " ; أي بترك المركز .

                                                                                                                                                                                  قوله " من بعد ما أراكم ما تحبون " من النصر والظفر بهم .

                                                                                                                                                                                  قوله " منكم من يريد الدنيا " ; أي الغنيمة ، " ومنكم من يريد الآخرة " وهم الذين ثبتوا في المركز .

                                                                                                                                                                                  قوله " ثم صرفكم عنهم " ; أي ردكم عن المشركين بهزيمتكم وردهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم .

                                                                                                                                                                                  قوله " ولقد عفا عنكم " ; أي عن ذنبكم بعصيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والانهزام ، وقال ابن جريج : ولقد عفا عنكم بأن لم يستأصلكم - وكذا قال محمد بن إسحاق رواه ابن جرير .

                                                                                                                                                                                  قوله " والله ذو فضل على المؤمنين " ، قيل إذ عفا عنهم ، وقيل إذ لم يقتلوا جميعا .

                                                                                                                                                                                  قوله " ولا تحسبن الذين قتلوا " الآية ، نزلت في شهداء أحد ، وروى مسلم من طريق مسروق قال : سألنا عبد الله بن مسعود عن هؤلاء الآيات ، قال : إنا قد سألنا عنها ، فقيل لنا : إنه لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ... الحديث ، وعن ابن عباس فيما رواه أحمد أنه قال : لما أصيب إخواننا بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا : من يبلغ إخواننا عنا أنا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا عن القتال ! فقال الله تعالى : أنا أبلغهم عنكم ! فأنزل الله هذه الآية . وقيل نزلت في شهداء بدر ، وقيل في شهداء بئر معونة ، وقيل غير ذلك . وروى أحمد من حديث ابن عباس أيضا قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء ، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا . وقال ابن كثير في تفسيره : وكان الشهداء أقساما ; منهم من تسرح أرواحهم في الجنة ، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة ، وقد يحتمل أن ينتهي سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك ويغدى عليهم رزقهم هناك ويراح ، والله أعلم .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية