الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  6376 واختلفوا في صحة هذا الخبر .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  أي في خبر تميم الداري المذكور ، فقال البخاري : قال بعضهم عن ابن موهب سمع تميما ولا يصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم : الولاء لمن أعتق .

                                                                                                                                                                                  وقال الشافعي : هذا الحديث ليس بثابت إنما يرويه عبد العزيز بن عمر عن ابن موهب ، وابن موهب ليس بالمعروف ولا نعلمه لقي تميما ، ومثل هذا لا يثبت .

                                                                                                                                                                                  وقال الخطابي : ضعف هذا الحديث أحمد ، وقال الترمذي : ليس إسناده بمتصل ، قال : وأدخل بعضهم بين ابن موهب وبين تميم قبيصة . رواه يحيى بن حمزة .

                                                                                                                                                                                  وقيل : إنه تفرد فيه بذكر قبيصة ، وقد رواه أبو إسحاق السبيعي عن ابن موهب بدون ذكر تميم ، ورواه النسائي أيضا .

                                                                                                                                                                                  وقال ابن المنذر : هذا الحديث مضطرب ، هل هو عن ابن موهب عن تميم أو بينهما قبيصة ؟ وقال بعض الرواة فيه : عن عبد الله بن موهب ، وبعضهم : ابن موهب ، وعبد العزيز راويه ليس بالحافظ ، وقال بعضهم : ابن موهب لم يدرك تميما .

                                                                                                                                                                                  وقد أشار النسائي إلى أن الرواية التي وقع التصريح فيها بسماعه من تميم خطأ ولكن وثقه بعضهم ، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ولاه القضاء بفلسطين ، ونقل أبو زرعة الدمشقي في تاريخه بسند له صحيح عن الأوزاعي أنه كان يدفع هذا الحديث ولا يرى له وجها ، انتهى كلامه .

                                                                                                                                                                                  قلت : صحح هذا الحديث أبو زرعة الدمشقي ، وقال : هذا حديث حسن المخرج متصل ، ورد على الأوزاعي ، فقال : وليس كذلك ، ولم أر أحدا من أهل العلم يرفعه ، وأخرجه الحاكم من طريق ابن موهب عن تميم ، ثم قال : صحيح على شرط مسلم .

                                                                                                                                                                                  وأخرجه الأربعة في الفرائض ، فأبو داود رواه عن يزيد بن خالد بن موهب الرملي ، وهشام بن عمار الدمشقي قالا : حدثنا يحيى هو ابن حمزة ، عن عبد العزيز بن عمر، قال : سمعت عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز ، عن قبيصة بن ذؤيب ، وقال هشام عن تميم الداري : إنه قال : يا رسول الله ، وقال يزيد : إن تميما قال : يا رسول الله ، ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين ؟ فقال : هو أولى الناس بمحياه ومماته ، انتهى .

                                                                                                                                                                                  وقد علم من عادة أبي داود أنه إذا روى حديثا وسكت عنه ، فإنه يدل [ ص: 257 ] على صحته عنده ، ورواه الترمذي ، حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا أبو أسامة وابن نمير ووكيع عن عبد العزيز عن عبد الله بن موهب ، وقال بعضهم : عبد الله بن موهب عن تميم الداري ، قال : سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما السنة الحديث ، ورواه النسائي ، أخبرنا عمرو بن علي بن حفص ، قال : حدثنا عبد الله بن داود عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن موهب عن تميم الداري ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل من المشركين أسلم على يدي الرجل من المسلمين قال : هو أولى الناس به حياته وموته ، وأخرجه من طريقين آخرين ، ولم يتعرض إلى شيء مما قيل فيه ، ورواه ابن ماجه ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا وكيع عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن موهب قال : سمعت تميما الداري يقول : قلت : يا رسول الله ما السنة في الرجل من أهل الكتاب يسلم على يدي الرجل ؟ قال : هو أولى الناس بمحياه ومماته .

                                                                                                                                                                                  ومما يؤيد صحة حديث تميم الداري رضي الله تعالى عنه ما رواه ابن جرير الطبري في التهذيب ، وروى خصيف ، عن مجاهد قال : جاء رجل إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال : إن رجلا أسلم على يدي ، ومات وترك ألف درهم ، فلمن ميراثه ؟ قال : أرأيت لو جنى جناية من كان يعقل عنه ، قال : أنا ، قال : فميراثه لك ، ورواه مسروق عن ابن مسعود ، وقاله إبراهيم وابن المسيب ومكحول وعمر بن عبد العزيز ، وفي الاستذكار : هو قول أبي حنيفة وصاحبيه وربيعة ، قاله يحيى بن سعيد في الكافر الحربي إذا أسلم على يد مسلم ، وروي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود : أنهم أجازوا الموالاة وورثوا ، وقال الليث عن عطاء والزهري ومكحول نحوه .

                                                                                                                                                                                  والجواب عما قاله الشافعي : هذا الحديث ليس بثابت ، يرده كلام أبي زرعة الدمشقي الذي ذكرناه ، وحكم الحاكم بصحته على شرط مسلم ، ورواية الأئمة الأربعة في كتبهم ألا يرى أن البخاري لما ذكره معلقا لم يجزم بضعفه ، وكيف يقول وابن موهب ليس بمعروف ، وقد روى عنه عبد العزيز بن عمر والزهري وابنه زيد بن عبد الله ، وعبد الملك بن أبي جميلة ، وعمر بن مهاجر ، وقال صاحب الكمال : ابن موهب ، ولاه عمر بن عبد العزيز قضاء فلسطين ، وهذا كله يدل على أنه ليس بمجهول لا عينا ولا حالا ، وكفاه شهرة وثقة تولية عمر بن عبد العزيز إياه .

                                                                                                                                                                                  وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عبد العزيز بن عمر ، وهو ثقة ، عن ابن موهب الهمداني ، وهو ثقة قال : سمعت تميما ، وكذا ذكر الصريفيني في كتابه بخطه .

                                                                                                                                                                                  وكيف يقول : ولا نعلمه لقي تميما ، وقد قال في رواية يعقوب بن سفيان المذكور : سمعت تميما ، وقد صرح بالسماع عنه ، وهل يتصور السماع إلا باللقي ، وعدم علمه بلقيه تميما لا يستلزم نفي علم غيره بلقيه ، وعبد العزيز بن عمر ثقة من رجال الجماعة ، وقال يحيى وأبو داود : ثقة ، وعن يحيى ثبت ، وقال بعضهم : عبد العزيز ليس بالحافظ - كلام ساقط ; لأن الاعتبار كونه ثقة ، وهو موجود ، وقال محمد بن عمار : المشبه في الحفظ بالإمام أحمد ثقة ليس بين الناس فيه اختلاف ، وقول الخطابي ضعف أحمد هذا الحديث ليس كذلك ; لأنه لم يبين وجه ضعفه ، وقول الترمذي ليس إسناده بمتصل يرده أنه سمع من تميم بواسطة ، وبلا واسطة ، ولئن سلمنا أنه لم يسمع منه ، ولا لحقه ، فالواسطة هو قبيصة ، وهو ثقة أدرك زمان تميم بلا شك ، فعنعنته محمولة على الاتصال ، وقول ابن المنذر : هذا الحديث مضطرب ، كلام مضطرب ; لأن رواته كلهم ثقاة ، فلا يضر هل هو عن ابن موهب عن تميم ، أو بينهما قبيصة ، والاضطراب لا يضر الحديث إذا كانت رجاله ثقات .

                                                                                                                                                                                  وقال الدارقطني : إنه حديث غريب من حديث أبي إسحاق السبيعي ، عن ابن موهب ، تفرد به عنه ابنه يونس ، وتفرد به أبو بكر الحنفي عنه ، فأفاد الدارقطني متابعا لعبد العزيز ، وهو أبو إسحاق ، والغرابة لا تدل على الضعف ، فقد تكون في الصحيح ، والإسناد الذي ذكره صحيح على شرط الشيخين ، وفيه رد لقول ابن المنذر أيضا ، وكيف يشير النسائي إلى أن الرواية التي وقع فيها التصريح بسماعه من تميم خطأ ، ثم يقول : ولكنه وثقه بعضهم ، فآخر كلامه ينقض أوله ، وكيف يحكم بالخطأ ، وقد ذكرنا عن ثقتين جليلين أنهما صرحا بسماع ابن موهب عن تميم ، وروى ابن بنت منيع عن جماعة عن عبد العزيز بلفظ : سمعت تميما ، فيجوز أن تكون روايته عن قبيصة عن تميم ، وعن تميم بلا واسطة .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية