الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        النوع الرابع : في الأكل من الأضحية والهدي وفيه فصلان .

                                                                                                                                                                        الأول : في الأكل من الواجب ، فكل هدي وجب ابتداء من غير التزام ، كدم التمتع والقران وجبرانات الحج ، لا يجوز الأكل منه . فلو أكل منه ، غرم ، ولا تجب إراقة الدم ثانيا . وفيما يغرمه ، أوجه : أصحها وهو نصه في القديم : يغرم قيمة اللحم كما لو أتلفه غيره . والثاني : يلزمه مثل ذلك اللحم . والثالث : يلزمه شراء شقص من حيوان مثله ، ويشارك في ذبحه ؛ لأن ما أكله بطل حكم إراقة الدم فيه ، فصار كما لو ذبحه وأكل الجميع ، فإنه يلزمه دم آخر .

                                                                                                                                                                        وأما الملتزم بالنذر من الضحايا والهدايا ، فإن عين بالنذر عما في ذمته من دم حلق وتطيب أو غيرهما شاة ، لم يجز له الأكل منها ، كما لو ذبح شاة بهذه النية بغير نذر ، وكالزكاة . وإن نذر نذر مجازاة ، كتعليقه التزام الهدي ، أو الأضحية بشفاء المريض ونحوه ، لم يجز الأكل أيضا ، كجزاء الصيد . ومقتضى كلامهم : أنه لا فرق بين كون الملتزم معينا ، أو مرسلا في الذمة ، ثم يذبح عنه . فإن أطلق الالتزام ، فلم يعلقه بشيء ، وقلنا بالمذهب : إنه يلزمه الوفاء ، فإن كان الملتزم معينا ، بأن قال : لله علي أن أضحي بهذه ، أو أهدي هذه ، ففي جواز الأكل منها قولان ووجه ، أو ثلاثة أوجه . الثالثة : يجوز الأكل من الأضحية دون الهدي ، حملا لكل واحد على المعهود الشرعي . ومن هذا القبيل ، ما إذا قال : جعلت هذه الشاة ضحية من غير تقدم التزام . أما إذا التزم في الذمة ، ثم عين شاة عما عليه ، فإن لم نجوز الأكل في المعينة ابتداء ، فهنا أولى ، وإلا ، فقولان ، أو وجهان .

                                                                                                                                                                        [ ص: 222 ] هكذا فصل حكم الأكل في الملتزم كثيرون من المعتبرين ، وهو المذهب . وأطلق جماعة وجهين ، ولم يفرقوا بين نذر المجازاة وغيره ، ولا بين الملتزم المعين والمرسل ، وبالمنع قال أبو إسحاق . قال المحاملي : وهو المذهب ، والجواز اختيار القفال ، والإمام . قال في " العدة " : وهو المذهب . ويشبه أن يتوسط فيرجح في المعين : الجواز ، وفي المرسل : المنع ، سواء عينه عنه ثم ذبح ، أو ذبح بلا تعيين ؛ لأنه عن دين في الذمة ، فأشبه الجبرانات . وإلى هذا ذهب صاحب " الحاوي " ، وهو مقتضى سياق الشيخ أبي علي . وحيث منعنا الأكل في المنذور فأكل ، ففيما يغرمه الأوجه الثلاثة السابقة في الجبرانات . وحيث جوزنا ، ففي قدر ما يأكله القولان في أضحية التطوع . هكذا قاله في " التهذيب " . ولك أن تقول ذاك الخلاف في قدر المستحب أكله ، ولا يبعد أن يقال : لا يستحب الأكل ، وأقل ما في تركه : الخروج من الخلاف .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية