الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الشرط الثاني : أن يكون منتفعا به . فما لا نفع فيه ، ليس بمال ، فأخذ المال في مقابلته باطل . ولعدم المنفعة سببان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : القلة ، كالحبة والحبتين من الحنطة والزبيب ونحوهما ، فإن ذلك القدر لا يعد مالا ، ولا ينظر إلى ظهور النفع إذا ضم إليه غيره ، ولا إلى ما يفرض من وضع الحبة في فخ . ولا فرق في ذلك بين زمان الرخص والغلاء . ومع هذا ، فلا يجوز أخذ الحبة من صبرة الغير . فإن أخذ ، لزمه ردها . فإن تلفت ، فلا ضمان ، إذ لا مالية لها . وقال القفال : يضمن مثلها . وحكى صاحب " التتمة " وجها : أنه يصح بيع ما لا منفعة فيه لقلته ، وهو شاذ ضعيف .

                                                                                                                                                                        السبب الثاني : الخسة ، كالحشرات . والحيوان الطاهر ، ضربان : ضرب ينتفع به ، فيجوز بيعه ، كالنعم ، والخيل ، والبغال ، والحمير ، والظباء ، والغزلان . ومن الجوارح ، كالصقور ، والبزاة ، والفهد . ومن الطير ، كالحمام ، والعصفور ، والعقاب . وما ينتفع بلونه كالطاووس ، أو صوته كالزرزور . ومما ينتفع به ، القرد ، والفيل ، والهرة ، ودود القز . وبيع النحل في الكوارة صحيح إن شاهد جميعه ، وإلا ، فهو من بيع الغائب . وإن باعه وهو طائر ، فوجهان . قطع في " التتمة " : بالصحة ، وفي " التهذيب " : بالبطلان .

                                                                                                                                                                        [ ص: 353 ] قلت : الأصح : الصحة . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        الضرب الثاني : ما لا ينتفع به ، فلا يصح بيعه ، كالخنافس ، والعقارب ، والحيات ، والفأر ، والنمل ، ونحوها ، ولا نظر إلى منافعها المعدودة من خواصها ، وفي معناها السباع التي لا تصلح للصيد والقتال عليها ، كالأسد والذئب والنمر . ولا ينظر إلى اقتناء الملوك لها للهيبة والسياسة . ونقل القاضي حسين وجها في جواز بيعها ؛ لأنها طاهرة . والانتفاع بجلودها متوقع بالدباغ . ونقل أبو الحسن العبادي وجها آخر : أنه يجوز بيع النمل في " عسكر مكرم " وهي المدينة المشهورة بخراسان ؛ لأنه يعالج به السكر ، و " نصيبين " ؛ لأنه تعالج به العقارب الطيارة . والوجهان شاذان ضعيفان . ولا يجوز بيع الحدأة ، والرخمة ، والغراب . فإن كان في أجنحة بعضها فائدة ، جاء فيها الوجه الذي حكاه القاضي ، كذا قاله الإمام ، ولكن بينهما فرق ، فإن الجلود تدبغ ، ولا سبيل إلى تطهير الأجنحة .

                                                                                                                                                                        قلت : وجه الجواز ، الانتفاع بريشها في النبل ، فإنه وإن قلنا بنجاسته ، يجوز الانتفاع به في النبل وغيره من اليابسات . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ويصح بيع العلق على الأصح لمنفعة امتصاص الدم ، ولا يصح بيع الحمار الزمن الذي لا نفع فيه على الأصح ، بخلاف العبد الزمن ، فإنه يتقرب بإعتاقه . والثاني : يجوز لغرض جلده إذا مات .

                                                                                                                                                                        فرع :

                                                                                                                                                                        السم إن كان يقتل كثيره وينفع قليله ، كالسقمونيا ، والأفيون ، جاز بيعه . وإن قتل كثيره وقليله ، فقطع بالمنع . ومال الإمام وشيخه إلى الجواز ليدس في طعام الكافر .

                                                                                                                                                                        [ ص: 354 ] فرع :

                                                                                                                                                                        آلات الملاهي : كالمزمار والطنبور وغيرهما ، إن كانت بحيث لا تعد بعد الرض والحل مالا ، لم يصح بيعها ؛ لأن منفعتها معدومة شرعا . وإن كان رضاضها يعد مالا ، ففي صحة بيعها وبيع الأصنام والصور المتخذة من الذهب والخشب وغيرهما ، وجهان . الصحيح : المنع . وتوسط الإمام ، فذكر الإمام وجها ثالثا اختاره هو والغزالي : أنه إن اتخذت من جوهر نفيس ، صح بيعها . وإن اتخذت من خشب ونحوه ، فلا ، والمذهب : المنع المطلق ، وبه أجاب عامة الأصحاب .

                                                                                                                                                                        فرع :

                                                                                                                                                                        الجارية المغنية التي تساوي ألفا بلا غناء ، إذا اشتراها بألفين ، فيه أوجه . قال المحمودي : بالبطلان ، والأودني : بالصحة ، وأبو زيد : إن قصد الغناء ، بطل ، وإلا ، فلا .

                                                                                                                                                                        قلت : الأصح : قول الأودني . قال إمام الحرمين : هو القياس السديد ولو بيعت بألف ، صح قطعا . ويجري الخلاف في كبش النطاح والديك الهراش . ولو باع إناء من ذهب أو فضة ، صح قطعا ؛ لأن المقصود الذهب فقط ، ذكره القاضي أبو الطيب . قال المتولي : يكره بيع الشطرنج . قال : والنرد ، إن صلح لبياذق الشطرنج ، فكالشطرنج ، وإلا ، فكالمزمار . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        [ ص: 355 ] فرع :

                                                                                                                                                                        بيع الماء المملوك صحيح على الصحيح ، وستأتي تفاريعه في إحياء الموات إن شاء الله تعالى . فإذا صححناه ، ففي بيعه على شط النهر ، وبيع التراب في الصحراء ، وبيع الحجارة بين الشعاب الكثيرة ، والأحجار ، وجهان . أصحهما : الجواز .

                                                                                                                                                                        فرع :

                                                                                                                                                                        بيع لبن الآدميات صحيح .

                                                                                                                                                                        قلت : ولنا وجه : أنه نجس ، فلا يصح بيعه ، حكاه في " الحاوي " عن الأنماطي ، وهو شاذ مردود ، وسبق ذكره في كتاب " الطهارة " . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية