الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأصل وقوع أهل الضلال في مثل هذا التحريف، الإعراض عن فهم كتاب الله تعالى، كما فهمه الصحابة والتابعون، ومعارضة ما دل عليه بما يناقضه، وهذا هو من أعظم المحادة لله ولرسوله، لكن على وجه النفاق والخداع. [ ص: 384 ]

وهو حال الباطنية وأشباههم، ممن يتظاهر بالإسلام واتباع القرآن والرسالة، بل بموالاة أولياء الله تعالى من أهل بيت النبوة وغيرهم من الصالحين، وهو في الباطن من أعظم الناس مناقضة للرسول فيما أخبر به وما أمر به، لكنه يتكلم بألفاظ القرآن والحديث، ويضم إلى ذلك من المكذوبات ما لا يحصيه إلا الله، ثم يتأول ذلك من التأويلات بما يناسب ما أبطنه من الأمور المناقضة لخبر الله ورسوله، وأمر الله ورسوله، ويظهر تلك التأويلات لمستجيبيه بحسب ما يراه من قبولهم وموافقتهم له.

مثل أن يروا أن العالم كله مفعول ومصنوع لشيء يسميه العقل الأول، فجعله هو رب الكائنات، ومبدع الأرض والسموات، ولكنه لازم للواجب بنفسه، ومعلول له، وأنه يلزمه عقل ونفس وفلك، ثم يلزم ذلك العقل عقل ونفس وفلك، حتى ينتهي الأمر إلى العقل العاشر، الذي أبدع بزعمه جميع ما تحت السماء من العناصر والحيوان والمعادن وغير ذلك، وهو الذي يفيض عنه العلم والنبوة والرسالة وغير ذلك في أنفس العباد، وعنه صدر القرآن والتوراة وغير ذلك.

ثم يريد أن يوفق بين هذا وبين ما أخبرت به الرسل فيقول: هذه العقول هي الملائكة التي أخبرت بها الأنبياء، وقد يقول عن هذا العقل الفعال: إنه جبريل، الذي ما هو على الغيب بضنين أي ببخيل، لأنه دائم الفيض بزعمه، لكن يحصل الفيض بحسب استعداد القوابل. [ ص: 385 ]

ومن المعلوم بالاضطرار لكل من تدبر ما أخبرت به الرسل من صفات الملائكة أن هذه العقول التي وصفها هؤلاء الفلاسفة الصابئة المشركون، ليست هي الملائكة [فإنا نعلم بالاضطرار أنهم لم يجعلوا ملكا واحدا أبدع جميع ما سوى الله تعالى، ولا ملكا أبدع جميع ما تحت السماء، ولا جعلوا الملائكة أربابا ولا آلهة.

بل قد قال تعالى: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [سورة آل عمران: 80] .

وقال تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون [سورة الأنبياء: 26] ، إلى: ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم [سورة الأنبياء: 29] ، ونحو ذلك من الآيات.

فغاية الملك أن يكون شافعا عند الله، ولا يشفع إلا من بعد إذنه.

ومن المعلوم أن كفر هؤلاء أعظم من كفر النصارى، فإن النصارى يقرون بإله خلق جميع المخلوقات، لا يجعلون له معلولا خلق المخلوقات، لكن يقولون: إنه اتحد بالمسيح.

وأما هؤلاء فيثبتون عقولا لا حقيقة لها، ثم يقولون: إن كلا منها أبدع الآخر وسائر العالم. [ ص: 386 ]

وتسميتهم للعقول بالملائكة باطل، ثم يستدل من يجمع بين كلامهم، وكلام الأنبياء، بحديث موضوع، نبه على وضعه أبو حاتم البستي، والعقيلي، والدارقطني، والخطيب، وابن الجوزي.

وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: « أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا أكرم علي منك، فبك آخذ وبك أعطي، وبك الثواب وعليك العقاب».

ومع هذا فهو لفظه: لما خلق الله العقل، فهذا اللفظ يقتضي أنه خاطبه في أول أوقات خلقه، لا يقتضي أنه أول المخلوقات، بل هذا اللفظ يقتضي أنه خلق قبله غيره، فإنه قال له: «ما خلقت خلقا أكرم علي منك» .

وأيضا فإنه وصف بالإقبال والإدبار، والعقل عندهم لا يقبل ولا يدبر.

وأيضا فإنه قال: بك آخذ وبك أعطي، وبك الثواب وعليك العقاب، وهؤلاء عندهم جميع الموجودات صادرة عنه: من العقول، والأفلاك، والأرض، والحيوان، والنبات، ونحو ذلك.

التالي السابق


الخدمات العلمية