الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              ومما يغالط به الجهمي من لا يعلم قول الله تعالى : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فقالوا : كل شيء له بين يدين وخلف ، فهو مخلوق ، فيقال له : إن القرآن ليس شخصا فيكون له خلف وقدام ، وإنما أراد تعالى لا يأتيه التكذيب من بين يديه فيما نزل قبله من التوراة والإنجيل والكتب التي تقدمت قبله . : ولا من خلفه ، يقول : ولا يأتي بعده بكتاب يبطله ولا يكذبه ، كما أخبرنا أنه أيضا مصدق لما كان قبله من الكتب ، فقال : وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها .

              يقال لما كان قبل الشيء وأمامه بين يديه ، وما كان بعده خلفه ، وبيان ذلك في كتاب الله : قال الله تعالى :يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ، [ ص: 190 ] لا يريد أن للصدقة بين يدين وخلفا ، وإنما أراد قبل نجواكم صدقة ، وقال : وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته يريد أن يرسل الرياح قبل المطر .

              وقال : إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، يقول : نذير قبل العذاب . وكذلك معناه في : لا يأتيه الباطل من بين يديه ، أراد قبله ولا من بعده ، ولو كان معنى : من بين يديه ومن خلفه معنى المخلوق ، لكان شخصا له قدام وخلف وظهر وبطن ويدان ورجلان ورأس ولا يمكن ذلك في القرآن ، ثم إن الجهمي ادعى أمرا آخر فقال : إن الله عز وجل يقول : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ، فزعم أن القرآن لا يخلو أن يكون في السماوات أو في الأرض أو فيما بينهما .

              فيقال له : إن الله عز وجل يقول : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ، فالحق الذي خلق به السماوات والأرض وما بينهما هو قوله وكلامه ، لأنه هو الحق وقوله الحق : قال فالحق والحق أقول [ ص: 191 ] .

              وقال : ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك ، فأخبر بأن الخلق كله كان بالحق ، والحق قوله وكلامه .

              وقال : خلق السماوات والأرض بالحق ، وقال : ما خلق الله ذلك إلا بالحق ، يعني قوله وكلامه ، فقوله وكلامه قبل السماوات والأرض وما بينهما ، فتفهموا رحمكم الله ، ولا يستفزنكم الجهمي الخبيث بتغاليطه وتمويهه وتشكيكه ليزيلكم عن دينكم ، فإن الجهمي لا يألوا جهدا في تكفير الناس وتضليلهم عصمنا الله وإياكم من فتنته برحمته .

              ويقال للجهمي : أخبرنا : من أخبرنا أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما ؟ فإذا ، قال : الله ، فيقال له : فجعلت خبر الله عن الخلق خلقا ؟ فيقول : نعم ، ويقول : إن الخبر عين المخبر ، فيقال له : فالخبر مخلوق ؟ فيقول : نعم ويقول : الخبر غير الله ، فيقال له : أليس قد تفرد الله بعلم الغيب دون خلقه ؟ فيقول : نعم ، فيقال له : فالخبر الذي زعمت أنه مخلوق وأنه غير الله من قال له : أخبر الخلق أن الله خلق السماوات ، أليس الله قال له ذلك ؟ فإن ، قال : نعم ، فقد أقر أن الله أخبر خلقا دون خلق ، فما يمنعك أن نكون نحن ذلك الخلق الذين أخبرهم أنه هو خلق الخلق ؟ .

              وإن قال : إن الله لم يخبر ذلك الخلق ولم يأمره أن يعلم الخلق بذلك ، قيل له : فقد أقررت أنه ليس أحد يعلم الغيب إلا الله ، وزعمت أن هذا الخبر هو غير الله ، فمن أين علم هذا الخبر وهو مخلوق أن الله خلق السماوات [ ص: 192 ] والأرض ؟ وكيف جاز أن يقول على الله ما لم يعلم ولم يأمره به ؟

              فعند ذلك يوضح كفر الجهمي وكذبه على الله وقبيح ضلاله .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية