الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              صفحة جزء
              باب ذكر مناظرات الممتحنين بين أيدي الملوك الجبارين الذين دعوا الناس إلى هذه الضلالة

              مناظرة عبد العزيز بن يحيى المكي لبشر بن غياث المريسي بحضرة [ ص: 226 ] المأمون .

              426 - حدثنا أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء ، قال : حدثنا أبو أيوب عبد الوهاب بن عمرو النزلي ، قال : حدثني أبو القاسم العطاف بن مسلم ، [ ص: 227 ] قال : حدثني الحسين بن بشر ، ودبيس الصائغ ، ومحمد بن فرقد ، قالوا : قال لنا عبد العزيز بن يحيى المكي الكناني : أرسل لي أمير المؤمنين المأمون فأحضرني ، وأحضر بشر بن غياث المريسي فدخلنا عليه ، فلما جلسنا بين يديه ، قال : إن الناس قد أحبوا أن تجتمعا وتتناظرا ، فأردت أن يكون ذلك بحضرتي فأصلا فيما بينكما أصلا إن اختلفتما في فرع رجعتما إلى الأصل ، فإن انقضي فيما بينكما أمره إلا كانت لكما عودة .

              قال عبد العزيز : " قلت : يا أمير المؤمنين إني رجل لم يسمع أمير المؤمنين كلامي قبل هذا اليوم ، وقد سمع كلام بشر ودار في مسامعه ، فصار دقيق كلامه جليلا عند أمير المؤمنين وفي بعض كلامي دقة ، فإن رأى أمير المؤمنين أن أتكلم فأقدم من كلامي شيئا يتبين به الكلمة التي تدق على سامعها ولا تغبي إذا طرت على أهل المجلس ، قال : " ونزهته أن أواجهه بها " .

              فقال : قل يا عبد العزيز .

              قال : " قلت : يا أمير المؤمنين إنه من ألحد في كتاب الله جاحدا أو زائدا ، لم يناظر بالتأويل ولا بالتفسير ولا بالحديث " .

              قال : فبم يناظر ؟ [ ص: 228 ]

              قلت له : " بالتنزيل . قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن .

              وقال : إنما أنذركم بالوحي .

              وقال لليهود حين ادعت تحريم أشياء لم يحرمها : قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ، وإنما يكون التأويل والتفسير لمن قرأ التنزيل ، فأما من ألحد في تنزيل القرآن وخالفه ، لم يناظر بتأويله ولا بالحديث .

              قال عبد العزيز : فقال المأمون : أو يخالفك في التنزيل ؟

              قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، يخالفني في التنزيل ، أو ليتركن قوله .

              قال : فقال : سله .

              قلت له : يا بشر ما حجتك بأن القرآن مخلوق ؟ انظر أحد سهم في كنانتك فارمني به ، ولا تكن بك حاجة إلى معاودة ، فقال : قوله : خالق كل شيء .

              قال : " فقلت للمأمون : يا أمير المؤمنين! من أخذ بمكيال فعليه أن يعطي به .

              فقال لي : ذاك يلزمه . [ ص: 229 ]

              فقال له : أخبرني عن قوله : خالق كل شيء ، هل بقي شيء لم يأت عليه هذا الخبر ؟

              فقال لي : لا .

              قلت له : أخبرني عن علم الله الذي أخبر عنه في خمسة مواضع ، فقال : في البقرة : ولا يحيطون بشيء من علمه .

              وقال في النساء : لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه .

              وقال : فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله .

              وقال في فاطر : وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه .

              وقال في سجدة المؤمن : وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه أفمقر أنت أن لله علما كما أخبر عن علمه أو تخالف التنزيل ؟

              قال عبد العزيز : فحاد بشر عن جوابي وأبى أن يصرح بالكفر ، فيقول : ليس لله علم ، فأرجع بالمسألة وعلم ما يلزمه فأقول له : أخبرني عن علم الله داخل في قوله : خالق كل شيء ، فلزم الحيدة واجتلب كلاما لم أسأله عنه ، فقال : معنى ذلك لا يجهل ، فقلت : يا أمير المؤمنين فلا يكون الخبر عن [ ص: 230 ] المعنى قبل الإقرار بالشيء يقر أن لله علما ، فإن سألته ما معنى العلم وليس هذا مما أسأله عنه ، فيجيب بهذا إن كان هذا جوابا حاد عن الجواب ولزم سبيل الكفار .

              فقال لي بشر : وتعرف الحيدة ؟ .

              قال : قلت : نعم ، إني لأعرف الحيدة من كتاب الله وهي سبيل الكفار التي اتبعتها .

              فقال لي المأمون : والحيدة نجدها في كتاب الله ؟

              قلت : نعم ، وفي سنة المسلمين ، وفي اللغة .


              فقال لي : فأين هي من كتاب الله ؟

              قال عبد العزيز : قلت : إن إبراهيم عليه السلام ، قال لقومه : هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون ، فكانوا بين أمرين : أن يقولوا : يسمعوننا حين ندعو أو ينفعوننا أو يضروننا ، فيشهد عليهم من يسمع قولهم أنهم قد كذبوا ، أو يقولوا : لا يسمعوننا حين ندعو ولا يضروننا ولا ينفعوننا ، فينفوا عن آلهتهم المقدرة ، فبأي الخبرين أجابوا كانت الحجة عليهم لإبراهيم عليه السلام ، فحادوا عن جوابه واجتلبوا كلاما من غير فن كلامه ، فقالوا : وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ، ولم يكن هذا جوابا عن مسألة إبراهيم [ ص: 231 ] .

              ويروى أن عمر بن الخطاب ، قال لمعاوية وقد قدم عليه فنظر إليه يكاد يتفقا شحما ، فقال : ما هذه الشحمة يا معاوية ، لعلها من نومة الضحى ورد الخصم ؟ فقال : يا أمير المؤمنين! إذا تصونني يرحمك الله ، فقد صدق بشر أن الله لا يجهل ، إنما سألته أن يقر بالعلم الذي أخبر الله عنه ، فأبى أن يقر به وحاد عن جوابي إلى نفي الجهل ، فليقل : أن لله علما وأن الله لا يجهل ، ثم التفت إلي بشر فقلت : يا بشر! أنا وأنت نقول أن الله لا يجهل ، وأنا أقول أن لله علما وأنت تأبى أن تقوله ، فدع ما تقول ، وأقول ما لا يقول ولا أقول ، وإنما مناظرتي إياك فيما أقول ولا تقول ، أو تقول ولا أقول ، قال : وهو في ذلك يأبى أن يقر أن لله علما ، ويقول : إن الله لا يجهل ، فلما أكثر ، قلت : يا أمير المؤمنين إن نفي السوء لا يثبت المدحة ، وكنت متكئا على أسطوانة ، قلت : هذه الأسطوانة لا تجهل ولا تعلم ، فليس نفي الجهل بإثبات للعلم ، فإثباته ما أثبت الله أولى به لأن على الناس أن يثبتوا ما أثبت الله ، وينفوا ما نفى الله ، ويمسكوا حيث أمسك الله .

              ثم قلت : يا أمير المؤمنين لم يمدح الله ملكا ولا نبيا ولا مؤمنا بنفي [ ص: 232 ] الجهل ، بل دل على إثبات العلم ، فقال تعالى للملائكة : كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ، ولم يقل : لا يجهلون .

              وقال للنبي صلى الله عليه وسلم : عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين .

              وقال : إنما يخشى الله من عباده العلماء ، ولم يقل : الذين لا يجهلون ، فمن أثبت العلم نفى الجهل ، ومن نفى الجهل ، لم يثبت العلم ، فما اختار بشر لله من حيث اختار الله لنفسه ، ولا من حيث اختار لملائكته ولرسله وللمؤمنين ؟ فقال لي أمير المؤمنين : فإذا أقر أن لله علما يكون ماذا ؟

              قلت : يا أمير المؤمنين اسأله عن علم الله ، أداخل هو في جملة الأشياء المخلوقة حين احتج بقوله : خالق كل شيء وزعم أنه لم يبق شيء إلا وقد أتى عليه هذا الخبر ، فإن ، قال : نعم ، فقد شبه الله بخلقه الذين أخرجهم الله من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ، وكل من تقدم وجوده علمه فقد دخل عليه الجهل فيما بين وجوده إلى حدوث علمه ، وهذه صفة المخلوقين الذين أخرجهم الله من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ، فيكون بشر قد شبه الله بخلقه " .

              فقال لي أمير المؤمنين : أحسنت أحسنت يا عبد العزيز ، ثم التفت إلى بشر ، فقال : يأبى عليك عبد العزيز إلا أن تقر أن لله علما ، ثم قال لي أمير [ ص: 233 ] المؤمنين : تقول إن الله عالم ؟

              قلت : نعم . ، قال : وتقول أن لله علما ؟

              قلت : نعم .

              قال : تقول أن الله سميع بصير ؟

              قلت : نعم يا أمير المؤمنين .

              قال : فتقول أن لله سمعا وبصرا كما قلت أن لله علما ؟

              قال : قلت : لا يا أمير المؤمنين .

              فقال لي : فرق بين هذين .

              قال : فأقبل بشر ، فقال : يا أمير المؤمنين يا أفقه الناس! يا أعلم الناس! يقول الله عز وجل : بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق [ ص: 234 ] ولكم الويل مما تصفون .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية