الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مطلب فيما لو ادعى الاستثناء وأنكرته الزوجة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 381 ] حلف بالله أنه لم يدخل هذه الدار اليوم ثم قال عبده حر إن لم يكن دخل لا كفارة ولا يعتق عبده ، إما لصدقه أو لأنها غموس ، ولا مدخل للقضاء في اليمين بالله حتى لو كانت يمينه الأولى بعتق أو طلاق حنث في اليمين لدخولها في القضاء .

أخذت من ماله درهما فاشترت به لحما وخلطه اللحام بدراهمه وقال زوجها إن لم ترديه اليوم فأنت كذا فحيلته أن تأخذ كيس اللحم وتسلمه للزوج قبل مضي اليوم ولا حنث ، ولو ضاع من اللحم فما لم يعلم أنه أذيب أو سقط في البحر لا يحنث .

حلف إن لم أكن اليوم في العالم أو في هذه الدنيا فكذا يحبس ولو في بيت حتى يمضي اليوم ، ولو حلف إن لم يخرب بيت فلان غدا فقيد ومنع حتى مضى الغد حنث وكذا إن لم أخرج من هذا المنزل فكذا فقيد ، أو إن لم أذهب بك إلى منزلي فأخذها فهربت منه ، أو إن لم تحضري الليلة منزلي فكذا فمنعها أبوها حنث في المختار ، [ ص: 382 ] بخلاف لا أسكن فأغلق الباب أو قيد لا يحنث في المختار

قلت قال ابن الشحنة والأصل أنه متى عجز عن شرط الحنث حنث في العدمي لا الوجودي . قال في النهر [ ص: 383 ] ومفاده الحنث فيمن حلف ليؤدين اليوم دينه فعجز لفقره وفقد من يقرضه ، خلافا لما بحثه في البحر فتدبر

التالي السابق


( قوله حلف بالله أنه لم يدخل ) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها لا يدخل . والصواب الأول لأنه على الثاني تكون اليمين منعقدة لكونها على المستقبل . وفرض المسألة فيما إذا كانت على الماضي لتناقض اليمين الثانية .

ففي البحر عن المحيط من باب الأيمان التي يكذب بعضها بعضا : حلف بالله تعالى أنه لم يدخل هذه الدار اليوم ثم قال عبده حر إن لم يكن دخلها اليوم لا كفارة ولا يعتق عبده لأنه إن كان صادقا في اليمين بالله تعالى لم يحنث ولا كفارة وإن كان كاذبا فهي يمين الغموس فلا توجب الكفارة ، واليمين بالله تعالى لا مدخل لها في القضاء فلم يصرفها مكذبا شرعا ، فلم يتحقق شرط الحنث في اليمين بالعتق وهو عدم الدخول ; حتى لو كانت اليمين الأولى بعتق أو طلاق حنث في اليمينين لأن لها مدخلا في القضاء . ا هـ . ( قوله حنث في اليمينين ) لأنه بكل زعم الحنث في الأخرى كما يأتي في باب عتق البعض . ا هـ . ح ( قوله ولو ضاع من اللحام إلخ ) هذا نقله في البحر عن الخانية في اليمين المطلقة عن ذكر اليوم ، ثم قال : ومفهومه أنه إذا لم يمكن رده فإنه يحنث ، فعلم به أن قولهم يشترط لبقاء اليمين إمكان البر إنما هو في المقيدة بالوقت فعدمه مبطل لها أما المطلقة فعدمه موجب للحنث . ا هـ .

وحاصله أنه إذا كانت اليمين مقيدة بالوقت يحنث بمضيه إلا إذا عجزت عن رده بأن ضاع أو أذيب أما لو كانت مطلقة فلا يحنث وإن ضاع ما داما حيين لإمكان وجدانه أما لو مات أحدهما أو علم أنه أذيب أو سقط في البحر فإنه يحنث لتعذر الرد ، وبه تعلم ما في كلام الشارح ( قوله إن لم أكن إلخ ) كذا في البحر عن الصيرفية ، وقد راجعت عبارة الصيرفية فرأيت فيها إن أكن بدون لم وهو الصواب ( قوله يحبس إلخ ) سواء حبسه القاضي أو الولي لأن الحبس يسمى نفيا قال تعالى { أو ينفوا من الأرض } بحر عن الصيرفية أي فإن الآية محمولة عندنا على الحبس .

مطلب المحبوس ليس في الدنيا

ورأيت في بعض الكتب أن الوزير ابن مقلة لما حبسه الراضي بالله سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة أنشد قوله :

خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الموتى نعد ولا الأحيا     إذا جاءنا السجان يوما لحاجة
فرحنا وقلنا جاء هذا من الدنيا

[ ص: 382 ] قوله لا يحنث في المختار ) لأنه مسكن لا ساكن ، وشرط الحنث هو السكنى ، وإنما تكون السكنى بفعله إذا كان باختياره ، بخلاف إن لم أخرج ونحوه لأن شرط الحنث عدم الفعل والعدم يتحقق بدون الاختيار أفاده في الذخيرة وأفاده أيضا أن الخلاف فيما إذا أغلق الباب لا فيما إذا منع بقيد ، ومثله في البحر وصرح به في البزازية .

وحاصله أنه لو كان المنع حسيا لا يحنث بلا خلاف ولو كان بغيره لا يحنث أيضا في المختار ، وقيل لا يحنث .

مطلب الأصل أن شرط الحنث إن كان عدميا وعجز يحنث

( قوله والأصل إلخ ) عبارة ابن الشحنة والأصل أن شرط الحنث إن كان عدميا وعجز عن مباشرته فالمختار الحنث ، وإن كان وجوديا وعجز فالمختار عدم الحنث . ا هـ .

قلت : والظاهر أن الضمير في قوله مباشرته يعود إلى شرط البر لا شرط الحنث لأن العجز عن الشيء فرع عن تطلبه والحالف إنما يطلب شرط البر فيحصله أو يعجز عنه فكان على الشارح أن يقول متى عجز عن شرط البر فافهم .

هذا ، وقد استشكل في البحر فرعين : أحدهما مسألة العسس المارة ، والثاني ما في القنية إن لم أعمل هذه السنة في المزارعة بتمامها فمرض ولم يتم حنث ، ولو حبسه السلطان لا يحنث ا هـ قال : فإن الشرط فيهما العدم وقد أثر فيه الحبس . ا هـ .

قلت : أما مسألة العسس فقد مر الجواب عنها ، وأما مسألة القنية فالظاهر أنها مبنية على خلاف المختار ، وهو عدم الحنث فيما إذا كان المنع غير حسي ، فهذا فرق بين المنع بالمرض والمنع بحبس السلطان لأن الحبس إغلاق لباب الحبس فهو منع غير حسي ، بخلاف المرض فإنه كالقيد فهو منع حسي ، لكن في أيمان البزازية من الخامس عشر إن لم تحضريني الليلة فكذا فقيدت ومنعت منعا حسيا ، ذكر الفضلي أنه يحنث . والأصح أنه لا يحنث فقد صحح عدم الحنث في المنع الحسي ، لكن ذكر في الذخيرة أن المختار الحنث ولم يقيد بكونها منعت منعا حسيا فالظاهر أنه ترجيح لقول الفضلي ، وهو الموافق للأصل المار لأن الشرط هنا عدمي ويكون التفصيل بين المنع الحسي وغيره خاصا فيما إذا كان الشرط وجوديا ، ويكون ما في القنية والبزازية مبنيا على إجرائه في العدمي أيضا والله أعلم .

[ تنبيه ] اعلم أنهم صرحوا بأن فوات المحل يبطل اليمين ، وبأن العجز عن فعل المحلوف عليه يبطلها أيضا لو مؤقتة لا لو مطلقة ، وبأن إمكان تصور البر شرط لانعقادها في الابتداء مطلقا وشرط لبقائها لو مؤقتة ، وعلى هذا فقولهم في ليشربن ماء هذا الكوز اليوم ولا ماء فيه لا يحنث . وجهه أنها لم تنعقد لعدم إمكان البر ابتداء ، وفيما لو كان فيه ماء فصب تبطل لعدم إمكان البر بعد انعقادها ، والعجز فيه ناشئ عن فوات المحل ، وفي إن لم أخرج ونحوه فقيد ومنع يحنث لأن العجز لم ينشأ عن فوات المحل لأن المحل فيه هو الحالف أو المرأة ونحو ذلك ، وهو موجود ، بخلاف الماء الذي صب ، فإذا لم يخرج تحقق شرط الحنث لبقاء المحل ، وإن عجز حقيقة لإمكان البر عقلا ، بأن يطلقه الحابس له كما في قوله إن لم أمس السماء اليوم فإنه يحنث بمضيه لأنه وإن استحال عادة ، لكنه في نفسه ممكن لأنه وجد من بعض الأنبياء بخلاف ما لو صب الماء لأن عود الماء المحلوف عليه غير ممكن [ ص: 383 ] أصلا وفي لا أسكن فقيد ومنع لا يحنث لأن شرط الحنث وجودي وهو سكناه بنفسه والوجودي يمكن إعدامه بالإكراه والمنع بأن ينسب لغيره وهو المكره بالكسر .

بخلاف لا يخرج لأن شرط الحنث عدمي وهو لا يمكن إعدامه بالإكراه لتحققه من المكره بالفتح ، وهذا معنى قولهم الإكراه يؤثر في الوجودي لا في العدمي ، فصار الحاصل أنه إذا كان شرط الحنث عدميا ، فإن عجز عن شرط البر بفوات محله لا يحنث وإن مع بقاء المحل حنث سواء كان المانع حسيا أو لا ، وكذا لو كان المانع كونه مستحيلا عادة ، كمس السماء ، وإن كان الشرط وجوديا لا يحنث مطلقا ولو كان المانع غير حسي في المختار ، وهذا ما تحرر لي من كلامهم ، والله تعالى أعلم فافهم ( قوله ومفاده إلخ ) أي لأن شرط الحنث فيه عدمي وهو عدم الأداء والمحل وهو الحالف باق ، وإذا كان يحنث في حلفه ليمس السماء اليوم مع كون شرط البر مستحيلا عادة فحنثه هنا بالأولى لأن شرط البر ممكن ، بأن يغصب مالا أو يجد من يقرضه أو يرث قريبا له ونحو ذلك ، فإن ذلك ليس بأبعد من مس السماء .

ولا يرد ما قيل إنه يستفاد عدم الحنث من قوله في المنح : حلف ليقضين فلانا دينه غدا ومات أحدهما قبل مضي الغد أو قضاه قبله أو أبرأه لم تنعقد . ا هـ . لأن عدم الحنث فيه لبطلان اليمين بفوات المحل كما لو صب ما في الكوز فإن شرط البر صار مستحيلا عقلا وعادة بخلاف مس السماء فإنه ممكن عقلا وإن استحال عادة ، وكذا لا يرد ما في الخانية إن لم آكل هذا الرغيف اليوم فأكله غيره قبل الغروب لا يحنث لأنه من فروع مسألة الكوز كما صرحوا به لفوات المحل وهو الرغيف ، وما استشهد به صاحب البحر حيث قال إن قوله في القنية متى عجز عن المحلوف عليه واليمين مؤقتة فإنها تبطل يقتضي بطلانها في الحادثة المذكورة ا هـ فيه نظر لأن مراد القنية العجز الحقيقي كما في مسألة الكوز وإلا ناقضه ما أطبق عليه أصحاب المتون من عدم البطلان في لأصعدن السماء . ثم رأيت الرملي نقل عن فتاوى صاحب البحر أنه أفتى بالحنث في مسألتنا مستندا إلى إمكان البر حقيقة وعادة مع الإعسار بهبة أو تصدق أو إرث ا هـ وهو عين ما قلناه أولا ، ولله الحمد



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث