نهاية المحتاج شرح المنهاج
( وجواب سلام ) مندوب وإن كرهت صيغته ولو مع رسول أو في كتاب ، ويجب الرد فورا ، ويندب الرد على المبلغ والبداءة به فيقول وعليك وعليه السلام من مسلم مميز غير متحلل [ ص: 51 ] به من صلاة ( على جماعة ) أي اثنين فأكثر مكلفين أو سكارى لهم نوع تمييز سمعوه ، أما وجوبه فبالإجماع ، ولا يؤثر فيه إسقاط المسلم لحقه ؛ لأن الحق لله تعالى وأما كونه على الكفاية فلخبر { يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ، ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم } ويسقط به الفرض عن باقيهم ، فإن ردوا كلهم ولو مرتبا أثيبوا ثواب الفرض كالمصلين على الجنازة ، ولو ردت امرأة عن رجل أجزأ إن شرع السلام عليها ، وإلا فلا أو صبي أو من لم يسمع منهم لم يسقط ، بخلاف نظيره في الجنازة ؛ لأن القصد ثم الدعاء وهو منه أقرب للإجابة وهنا الأمن وهو ليس من أهله ، وقضيته إجزاء تشميت الصبي عن جمع ؛ لأن القصد التبرك والدعاء كصلاة الجنازة وشرطه إسماع واتصال كاتصال الإيجاب بالقبول ، فإن شك في سماعه زاد في الرفع ، فإن كان عنده نيام خفض صوته ، ولا يكفي رد غير المسلم عليهم ، ويجب الجمع بين اللفظ والإشارة على من رد على أصم ، ومن سلم عليه جمع بينهما ، نعم لو علم أنه فهم ذلك بقرينة الحال والنظر إلى فمه لم تجب الإشارة كما بحثه الأذرعي ، وتجزي إشارة الأخرس ابتداء وردا ، وصيغته ابتداء السلام عليكم أو سلامي عليكم ، ويجزي مع الكراهة عليكم السلام ، ويجب فيه الرد وكعليكم السلام عليكم سلام ، أما لو قال وعليكم السلام فلا يكون سلاما ولم يجب رده ، وندبت صيغة الجمع لأجل الملائكة في الواحد ، ويكفي الإفراد فيه بخلافه في الجمع والإشارة بيد أو نحوها من غير لفظ خلاف الأولى ، والجمع بينها وبين اللفظ أفضل ، وصيغته ردا وعليكم السلام أو عليك السلام للواحد ، ويجوز مع ترك الواو ، فإن عكس جاز ، فإن قال وعليكم وسكت لم يجز ، وهو ابتداء وجوابا بالتعريف أفضل وزيادة ورحمة الله وبركاته أكمل فيهما ، ولو سلم كل من اثنين على الآخر معا لزم كلا رد ، أو مرتبا كفى الثاني سلامه [ ص: 52 ] ردا .
نعم إن قصد به الابتداء صرفه عن الجواب ، أو قصد به الابتداء والرد فكذلك فيجب رد السلام على من سلم أولا ، وإن سلم عليه جماعة دفعة أو مرتبا ، ولم يطل الفصل بين سلام الأول والجواب كفاه وعليكم السلام بقصدهم ، وكذا إن أطلق فيما يظهر ويسلم راكب على ماش ، وهو على واقف وقاعد وصغير على كبير وقليل على كثير حالة التلاقي ، فإن عكس لم يكره فلو تلاقى قليل ماش وكثير راكب تعارضا ، ويندب للنساء إلا مع الرجال الأجانب فيحرم من الشابة ابتداء وردا ويكرهان عليها ، نعم لا يكره سلام جمع كثير من الرجال عليها حيث لم تخف فتنة لا على جمع نسوة أو عجوز فلا يكرهان ، واستثني عبدها وكل من يباح نظره إليها ، ولو سلم بالعجمية جاز ، وإن قدر على العربية حيث فهمها المخاطب ووجب الرد ، ولا يجب رد سلام مجنون وسكران وإن كان لهما تمييز ، ومحله في الثاني من غير المتعدي .
أما هو ففاسق ، ويحرم بداءة ذمي به ، فإن بان ذميا استحب له استرداد سلامه ، فإن سلم الذمي على مسلم قال له وجوبا وعليك ، ويجب استثناؤه ولو بقلبه إن كان مع مسلمين وسلم عليهم ، وتحرم بداءته بتحية غير السلام ، وإن كتب إلى كافر قال السلام على من اتبع الهدى ، ولو قام عن جليس له فسلم وجب الرد ، ومن دخل داره سلم ندبا على أهله أو موضعا خاليا فليقل ندبا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، ويسمي الله قبل دخوله ويدعو ( ويسن ) عينا للواحد وكفاية للجماعة كالتسمية للأكل وتشميت العاطس ، [ ص: 53 ] وجوابه ( ابتداؤه ) به عند إقباله أو انصرافه على مسلم للخبر الحسن { إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام } وفارق الرد بأن الإيحاش والإخافة في ترك الرد أعظم منهما في ترك الابتداء ، لكن ابتداؤه أفضل من رده كإبراء المعسر فإنه أفضل من إنظاره ، ويؤخذ من قوله ابتداؤه أنه لو أتى به بعد تكلم لم يعتد به ، نعم يحتمل في تكلم سهوا أو جهلا وعذر به أنه لا يفوت الابتداء به فيجب جوابه ، ولو أرسل سلامه لغائب يشرع له السلام عليه كأن قال للرسول : سلم لي على فلان كان وكيلا عنه في الإتيان بصيغته الشرعية ، فإن أتى المرسل بصيغته ، وقال له سلم لي على فلان كفاه أن يقول فلان يسلم عليك ، ويجب على الرسول فيهما تبليغه ما لم يرد الرسالة ( لا على ) نحو ( قاضي حاجة ) بول أو غائط أو جماع ( و ) شارب و ( آكل ) في فمه لقمة تشغله ( و ) كائن ( في حمام ) لاشتغاله بالاغتسال . [ ص: 54 ]
وقضيته ندبه في المسلخ ، وهو كذلك ولا على فاسق بل يندب تركه حيث كان مجاهرا بفسقه ، ومرتكب ذنب عظيم لم يتب عنه ، ومبتدع إلا لعذر أو خوف مفسدة ، ولا على مصل وساجد وملب ومؤذن ومقيم وناعس وخطيب ومستمعه ومستغرق القلب بدعاء ومتخاصمين بين يدي حاكم ( ولا جواب ) يجب ( عليهم ) إلا مستمع الخطبة فإنه يجب عليه بل يكره لقاضي الحاجة ونحوه كالمجامع ويندب للآكل ، نعم يسن السلام عليه بعد البلع وقبل وضع اللقمة بالفم ، ويرد الملبي في الإحرام ندبا باللفظ ، ومثله من بالحمام .
ويندب لمصل ومؤذن إشارة ، وإلا فبعد فراغه مع قرب الفصل . ويندب على القارئ وإن اشتغل بالتدبر ويجب رده .
نعم يتجه أخذا مما مر في الدعاء أن محله في قارئ لم يستغرق قلبه في التدبر ، وإلا لم يسن ابتداء ولا يجب رد ولا يستحق مبتدئ بنحو صبحك الله بالخير أو قواك الله جوابا ودعاؤه له في نظيره حسن ما لم يقصد بإهماله تأديبه لتركه سنة السلام ، وحني الظهر مكروه ، وكذا بالرأس وتقبيل نحو رأس أو يد أو رجل كذلك .
ويندب ذلك لنحو علم أو صلاح أو شرف أو [ ص: 55 ] ولادة أو نسب أو ولاية مصحوبة بصيانة قال ابن عبد السلام : أو لمن يرجى خيره أو يخاف من شره ولو كافرا خشي منه ضررا لا يحتمل عادة ، ويكون على جهة البر والإكرام لا الرياء والإعظام ، ويحرم على داخل حب قيام القوم له للحديث الحسن { من أحب أن يتمثل الناس له قياما فليتبوأ مقعده من النار } كما في الروضة ، وحمله بعضهم على ما إذا أحب قيامهم واستمراره وهو جالس أو طلبا للتكبر على غيره ، وهذا أخف تحريما من الأول ، إذ هو التمثل في الخبر كما أشار إليه البيهقي .
وأما من أحبه جودا منهم عليه لما أنه صار شعارا للمودة فلا حرمة فيه ولا بأس بتقبيل وجه صبي رحمة ومودة .
ويندب تقبيل قادم من سفر ومعانقته ، ويحرم تقبيل أمرد حسن لا محرمية بينه وبينه ونحوها ومس شيء من بدنه بلا حائل كما مر


