الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( ولو ) ( حلف لا يدخلها من ذا الباب [ ص: 195 ] فنزع ) بابها المعلق من خشب أو غيره ( ونصب في موضع آخر منها ) ( لم يحنث بالثاني ) وإن سد الأول ( ويحنث بالأول في الأصح ) لأن الباب حقيقة في المنفذ مجاز في الخشب ، فإن أراد الثاني حمل عليه والثاني على المنصوب فيحنث بالثاني دون الأول والثالث عليهما جميعا ( أو لا يدخل بيتا ) وأطلق ( حنث بكل بيت من طين أو حجر أو آجر أو خشب ) أو قصب محكم كما قاله الماوردي ( أو خيمة ) أو بيت شعر أو جلد وإن كان الحالف حضريا لإطلاق البيت على جميع ذلك حقيقة لغة كما يحنث بجميع أنواع الخبز أو الطعام ( وإن اختص بعض النواحي بنوع أو أكثر منه إذ العادة لا تخصص ) ، وإنما اختص لفظ الرءوس أو البيض أو نحوهما بما يأتي للقرينة اللفظية وهي تعلق الأكل به ، وأهل العرف لا يطلقونه على ما عدا ما يأتي فيها ( ولا يحنث بمسجد وحمام وكنيسة وغار جبل ) وبيت رحى لأنها لا تسمى في العرف بيوتا مع حدوث أسماء خاصة لها ، واسم البيت لا يقع عليها إلا بضرب من التقييد ، وما ذكره في غار الجبل ظاهر إذا لم يقصد به الإيواء ، أما ما اتخذ منها بيتا للسكن فيحنث به من اعتاد سكناه كما قاله البلقيني ، وبحث الأذرعي أن المراد بالكنيسة محل تعبدهم ، أما لو دخل بيتا فيها فإنه يحنث ، وقياس ذلك حنثه بخلوة في مسجد لا تعد منه شرعا ، وبحث أيضا عدم الحنث بساحة نحو المدرسة والرباط وأبوابها بخلاف بيت فيها ، وعلم مما تقرر أن البيت غير الدار ، ومن ثم قالوا لو حلف لا يدخل بيت فلان فدخل داره دون بيته لم يحنث أو لا يدخل داره فدخل بيته فيها حنث ( أو لا يدخل على زيد فدخل بيتا فيه زيد وغيره حنث ) لوجود صورة الدخول حيث كان عالما به ذاكرا للحال مختارا ، وخرج ببيتا دخوله عليه في نحو مسجد وحمام مما لا يختص [ ص: 196 ] به عرفا ( وفي قول إن نوى الدخول على غيره دونه لا يحنث ) كما يأتي في السلام عليه ، وفرق الأول بأن الأقوال تقبل الاستثناء بخلاف الأفعال ، ومن ثم صح سلم عليهم إلا زيدا ( فلو جهل حضوره فخلاف حنث الناسي ) والجاهل والأصح عدم حنثهما كالمكره ، نعم لو قال لا أدخل عالما ولا جاهلا حنث وكذا في سائر الصور ( قلت : ولو ) ( حلف لا يسلم عليه فسلم على قوم هو فيهم ) وكان بحيث يسمعه وإن لم يسمعه بالفعل أو كان به جنون بشرط أن لا يكون بحيث يعلم الكلام ( واستثناه ) بقلبه ( لم يحنث ) لما مر ( وإن أطلق حنث ) إن علم به ( في الأظهر والله أعلم ) لأن العام يجري على عمومه ما لم يخصص وهل يحنث بالسلام عليه من صلاة أو لا ؟ ظاهر كلام الرافعي حنثه به وإن لم يقصده ، واعتمده ابن الصلاح وجزم به المتولي لكن نازع فيه البلقيني وتبعه الزركشي وغيره قال : لا سيما إذا بعد عنه بحيث لا يسمع سلامه ، ومقابل الأظهر المنع لصلاحية اللفظ للجميع وللبعض .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : ولو حلف لا يدخل من ذا الباب ) أي فيحنث بالدخول منه وإن نصب [ ص: 195 ] في غير محله الأول ، وقضيته أنه لا يحنث بالمنفذ حيث نزع الباب منه ، وقياس ما قدمه فيما لو حلف لا يدخل دار زيد وقال أردت مسكنه من عدم القبول في الطلاق والعتاق أنه هنا كذلك ( قوله حقيقة في المنفذ ) بفتح الفاء ( قوله : فإن أراد الثاني حمل عليه ) وكذا لو تسور الجدار فنزلها لا يحنث وإن خرج من الباب ( قوله : أو قصب محكم ) قيد في القصب ( قوله : إذ العادة لا تخصص ) قضيته أنه لو حلف لا يدخل بيت زيد وكان العادة في محله إطلاق البيت على الدار بتمامها عدم الحنث بدخول الدار حيث لم يدخل بيتا من بيوتها ( قوله : وبيت رحى ) المعروفة بالطاحون الآن ومثله القهوة ( قوله : لا تعد منه شرعا ) أي بأن لا تدخل في وقفه ( قوله : ومن ثم قالوا لو حلف إلخ ) يعلم من ذلك أنه لو حلف لا يجتمع مع زيد في بيت فلان فاجتمع في داره دون بيته لم يحنث ، خلافا لما بلغني أن بعضهم أفتى بالحنث انتهى سم على حج .

                                                                                                                            وقوله بحيث لا يسمع سلامه إلخ يؤخذ استثناء ذلك من قوله السابق وكان بحيث يسمعه ، بل أولى انتهى ( قوله : حيث كان عالما به ) أما لو دخل ناسيا أو جاهلا فلا حنث وإن استدام لكن لا تنحل اليمين ( قوله : وخرج ببيتا دخوله عليه في نحو مسجد إلخ ) ومنه القهوة وبيت الرحى ، وينبغي أن مثل ذلك [ ص: 196 ] ما لو حلف لا يدخل على زيد وجمعتهما وليمة فلا حنث لأن موضع الوليمة لا يختص بأحد عرفا ، فأشبه نحو الحمام وصورة المسألة في المسجد ونحوه عند الإطلاق ، فلو قصد أنه لا يدخل مكانا فيه زيد أصلا حنث لتغليظه على نفسه ، ووقع السؤال عن شخص حلف بالطلاق أنه لا يجتمع مع فلان في محل ثم إنه دخل محلا وجاء المحلوف عليه بعده ودخل عليه واجتمعا في المحل هل يحنث لأنه صدق عليه أنه اجتمع معه في المحل أم لا ؟ والجواب أن الظاهر عدم الحنث لأنه إنما حلف على فعل نفسه ولم يوجد ( قوله : وجزم به المتولي ) معتمد ( قوله : قال لا سيما إذا بعد إلخ ) أخذ ما ذكر غاية يقتضي أن ما قبله يقتضي الحنث وإن لم يسمعه ، وقد تقدم أنه لا بد أن يسلم عليه بحيث يسمعه وإن لم يسمعه .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            ( قوله : وأطلق ) أي أو أراد ما دام مستحقا لمنفعته كما هو ظاهر ، بخلاف ما إذا نوى ما دام عقد إجارته باقيا لم تنقض مدته فإنه يحنث لأن إجارته باقية لم تفرغ ولم تنقض ، قال ذلك الولي العراقي أيضا ( قوله : أخذا مما قالوه في لا رأيت منكرا إلا رفعته للقاضي إلخ ) سيأتي في شرح مسألة القاضي الآتية في المتن أن هذا كلام الروضة وليس فيها ذكر الديمومة ( قوله : بوصف مناسب للمحلوف عليه إلخ ) أي لأن الرفع إليه مناسب لاتصافه بالقضاء إذ لا يرفع إلا للقاضي أو نحوه ، وذلك الوصف الذي هو القضاء يطرأ ويزول ، فكان ربط الرفع بهذا الوصف قرينة على إرادة الرفع حيثما وجد هذا الوصف فهو من دلالة الإيماء المقررة في الأصول ، هذا والذي سيأتي في مسألة القاضي أنه حيث نوى الديمومة فيها انقطعت بالعزل وإن عاد إلى القضاء : أي إن لم يرد ذلك الدوام وما بعده كما هو ظاهر مما هنا ، وحينئذ فلا فرق بين مسألة دخول الدار ومسألة الرفع للقاضي ( قوله : كالحالة الأخيرة ) أي إذا أراد ما دام فيه هذه المرة [ ص: 195 ] قوله فإن أراد الثاني حمل عليه ) انظر هل المراد حمله عليه وحده أو مع الحقيقة .

                                                                                                                            ( قوله : والثاني على المنصوب إلخ ) في العبارة قلب ، وحقها : والثاني يحنث بالثاني حملا على المنصوب ( قوله : والثالث عليهما جميعا ) أي يحمل عليهما مجتمعين فلا يحنث إلا بهذا المنفذ معلقا عليه هذا الباب بخلاف ما إذا انفرد أحدهما ( قوله : وهو تعلق الأكل بها ) قضيته أنه لو علق بها غير الأكل كأن حلف لا يحمل رءوسا أو بيضا يحنث فليراجع ( قوله من اعتاد سكناه ) هلا يحنث غير المعتاد أيضا لما مر ، ويأتي أن العادة إذا ثبتت بمحل عمت جميع المحال ( قوله : وبحث الأذرعي ) الذي في كلام الأذرعي جزم لا بحث ( قوله : وعلم مما تقرر أن البيت غير الدار ) أي ولا نظر إلى أن عرف كثير من الناس إطلاق البيت على الدار ووجهه أن العرف العام مقدم على العرف الخاص ، ويصرح بهذا كلام الأذرعي ، فإنه [ ص: 196 ] لما ذكر مثل الإطلاق الذي في الشارح هنا وقال إنه الأصح عقبه بقوله وعن القاضي أبي الطيب الميل إلى الحنث : أي فيما لو حلف لا يدخل البيت فدخل دهليز الدار أو صحنها أو صفتها لأن جميع الدار بيت بمعنى الإيواء ، ثم قال أعني الأذرعي : قلت وهو عرف كثير من الناس يقولون بيت فلان ويريدون داره ا هـ .

                                                                                                                            فعلم من كلامه أن الأصح لا ينظر إلى ذلك ، وبهذا علم رد بحث ابن قاسم أن محل هذا في غير نحو مصر ، قال : وإلا فهم يطلقون البيت على الدار بل لا يكادون يذكرون الدار إلا بلفظ البيت ( قوله : لا سيما إذا بعد عنه بحيث لا يسمع ) فيه أن شرط الحنث كونه بحيث يسمعه كما مر .




                                                                                                                            الخدمات العلمية