الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ( وذكاة كل حيوان ) بري وحشيا كان أو إنسيا ( قدر عليه بقطع كل الحلقوم وهو مخرج النفس ) يعني مجراه دخولا وخروجا ( والمريء ) [ ص: 117 ] بالهمز ( وهو مجرى الطعام ) والشراب إذ الحياة توجد بهما وتفقد بفقدهما ، وخرج بقطع ما لو اختطف رأس عصفور أو غيره بيده أو ببندقة فإنه ميتة ، وبقوله قدر عليه ما لو لم يقدر عليه وقد مر ، وبقوله كل الحلقوم ما لو قطع البعض وانتهى إلى حركة المذبوح ثم قطع الباقي فلا يحل ، ولا بد من كون التذفيف متمحضا لذلك ، فلو أخذ في قطعها وآخر في نزع الحشوة أو نخس الخاصرة لم يحل ، ولو انهدم سقف على شاة أو جرحها سبع فذبحت وفيها حياة مستقرة حلت ، وإن تيقن موتها بعد يوم أو يومين وإن لم يكن فيها حياة مستقرة لم تحل ( ويستحب قطع الودجين ) لأنه أوحى وأسهل لخروج الروح فهو من الإحسان في الذبح وهما بفتح الواو والدال عرقان في صفحتي العنق من مقدمه محيطان بالحلقوم وقد يحيطان بالمريء ، وتعبير التنبيه بالأوداج من باب إطلاق الجمع على اثنين [ ص: 118 ] وهو صحيح ( ولو ذبحه من قفاه ) أو من صفحة عنقه ( عصى ) للعدول عن محل الذبح ولما فيه من التعذيب ولأنه لم يحسن في الذبح والقطع من صفحة العنق كالقطع من القفا ( فإن أسرع ) في ذلك ( فقطع الحلقوم والمريء وبه حياة مستقرة ) ولو ظنا بقرينة كما مر ( حل ) لمصادفة الذكاة له وهو حي كما لو قطع يده ثم ذكاه ( وإلا ) بأن لم يبق به حياة مستقرة بأن وصل لحركة مذبوح لما انتهى إلى قطع المريء ( فلا ) يحل لصيرورته ميتة فلا تفد فيه الذكاة ( وكذا ) ( إدخال سكين بأذن ثعلب ) مثلا ليقطع حلقومه ومريئه داخل الجلد لأجل جلده ففيه التفصيل المار فيما قبلها ، نعم يحرم ذلك للتعذيب ( ويسن نحر إبل ) ونحوه مما طال عنقه وهو قطع اللبة أسفل العنق لأنه أسهل لخروج روحها لطول عنقها ، ولا بد في النحر من قطع كل الحلقوم والمريء كما جزم به في المجموع .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : بقطع كل الحلقوم ) ولا بد في ذلك من مباشرة [ ص: 117 ] السكين لهما حتى ينقطعا ، فلو قطع من غيرهما كأن قطع من الكتف ولم تصل السكين للحلقوم والمريء لم يحل المذبوح .

                                                                                                                            [ فرع ] يحرم ذبح الحيوان غير المأكول ولو لإراحته كالحمار الزمن مثلا ( قوله : ثم قطع الباقي ) في قوله ثم إشارة إلى أنه قطع البعض الأول ثم تراخى قطعه للثاني ، بخلاف ما لو رفع يده بالسكين وأعادها فورا أو سقطت من يده فأخذها وتمم الذبح فإنه يحل كما صرح به حج وقولنا وأعادها فورا ومن ذلك قلب السكين لقطع باقي الحلقوم والمريء أو تركها وأخذ غيرها فورا لعدم حدتها فلا يضر ( قوله : وفيها حياة مستقرة ) قضيته مع ما سبق من أن من علامات الحياة المستقرة انفجار الدم أنه لو جرحت الشاة مثلا أو وقع عليها سقف أو نحو ذلك ولم يصر بها إبصار ولا نطق اختيارا ثم ذبحت وانفجر الدم حلت ، وفي الروض وشرحه ما نصه في باب الأضحية قبيل فصل في سنن الذبح : فإن جرح الحيوان أو سقط عليه سيف أو نحوه ، وفي نسخة سقف ، وبقيت فيه حياة مستقرة ولو عرفت بشدة الحركة أو انفجار الدم فذبحه حل وإن تيقن إهلاكه بعد ساعة ، وإلا فلا يحل لوجود ما يحال عليه الهلاك مما ذكر ، ثم قال : وقوله ولو بشدة الحركة ليس في محله لأنه لو وصل بجرح إلى حركة المذبوح وفيه شدة الحركة ثم ذبح لم يحل ، والمراد به إنما هو معرفة الحياة المستقرة حالة الذبح ، فلو أخره مع الجملة قبله كأصله كان حسنا .

                                                                                                                            وحاصله أن الحياة المستقرة عند الذبح تارة تتيقن وتارة تظن بعلامات وقرائن ، فمنها الحركة الشديدة بعد الذبح وانفجار الدم وتدفقه ا هـ .

                                                                                                                            فقد صرح بأنها لو وصلت إلى حركة مذبوح بسبب يحال عليه الهلاك وحصل منها حركة شديدة في تلك الحالة ثم ذبحت لم تحل ، بخلاف ما إذا وصلت إلى حركة المذبوح وليس فيها تلك الحركة ثم ذبحت فاشتدت حركتها أو انفجر دمها فتحل والواو في قوله وتدفقه بمعنى أو كما عبر بها قبل ( قوله : وإن تيقن موتها بعد ) ليس بقيد بل المدار على مشاهدة حركة اختيارية تدرك بالمشاهدة أو انفجار الدم بعد ذبحها أو وجود الحركة الشديدة كما علم مما سبق في كلامه وكان الأولى أن يقول وإن تيقن موتها بعد لحظة ( قوله : ويستحب قطع الودجين ) الزيادة على الحلقوم والمريء والودجين قيل بحرمتها لأنه زيادة في التعذيب ، والراجح الجواز مع الكراهة كما يؤخذ من قول الشارح الآتي ويكره زيادة القطع .

                                                                                                                            [ فرع ] لو اضطر شخص لأكل ما لا يحل أكله فهل يجب عليه ذبحه لأن الذبح يزيل العفونات أم لا لأن ذبحه لا يفيد ؟وقع في ذلك تردد ، والأقرب عدم الوجوب لأن ذبحه لا يزيد على قتله بأي طريق اتفق ، لكن ينبغي أنه أولى لأنه أسهل لخروج الروح ( قوله : وأسهل ) عطف تفسير ( قوله : وقد يحيطان بالمريء ) عبارة المحلي : وقيل [ ص: 118 ] يحيطان بالمريء ، فلعل الشارح يشير إلى أن ما ذهب إليه صاحب القيل يوجد في بعض الحيوانات ( قوله : فقطع الحلقوم والمريء ) أي وصل إليهما قبل ابتداء قطعهما وفيه حياة مستقرة يقينا أخذا من قوله السابق فإن شك في حصولها ولم إلخ ( قوله : ففيه التفصيل المار ) أي المذكور في قوله فإن أسرع إلخ ، فمسألة العصيان خارجة ومن ثم استدرك الشارح بها ، ولو أدخلها في مفاد التشبيه فقال في التفصيل والعصيان كان أولى ( قوله : ويسن نحر إبل ) تخصيص الإبل بالنحر والبقر بالذبح يقتضي أن النحر لا يسمى ذبحا ، وقوله في أول الكتاب وكان الحيوان يذبحه في حلقه ولبته صريح في أن الذبح شامل للنحر وغيره ، وقوله ونحوه ذكر الضمير في نحوه وأنثه في روحها تنبيها على جوازهما في الضمير الراجع لاسم الجنس الجمعي ، لكن في المختار أن الإبل مؤنثة لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            [ ص: 117 ] قوله : لأنه أوحى ) هو بالحاء المهملة : أي أسرع [ ص: 118 ] قوله : والقطع من صفحة العنق كالقطع من القفا ) مكرر مع ما مر قبيله




                                                                                                                            الخدمات العلمية