الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثالث في وصف العبادة بالأداء والقضاء والإعادة

الفصل الثالث في وصف العبادة بالأداء والقضاء والإعادة

وصف العبادة بالأداء والقضاء والإعادة

اعلم أن الواجب إذا أدي في وقته سمي أداء ، وإن أدي بعد خروج وقته المضيق أو الموسع المقدر سمي قضاء ، وإن فعل مرة على نوع من الخلل ثم فعل ثانيا في الوقت سمي إعادة . فالإعادة اسم لمثل ما فعل ، والقضاء اسم لفعل مثل ما فات وقته المحدود . ويتصدى النظر في شيئين

أحدهما أنه لو غلب على ظنه في الواجب الموسع أنه يخترم قبل الفعل فلو أخر عصى بالتأخير .

فلو أخر وعاش قال القاضي رحمه الله : ما يفعله هذا قضاء ; لأنه تقدر وقته بسبب غلبة الظن . وهذا غير مرضي عندنا ، فإنه لما انكشف خلاف ما ظن زال حكمه وصار كما لو علم أنه يعيش ، فينبغي أن ينوي الأداء ، أعني المريض إذا أخر الحج إلى السنة الثانية وهو مشرف على الهلاك ثم شفي

الثاني : أن الزكاة على الفور عند الشافعي رحمه الله ، فلو أخر ثم أدى فيلزم على مساق كلام القاضي رحمه الله أن يكون قضاء ; والصحيح أنه أداء ; لأنه لم يعين وقته بتقدير وتعيين ، وإنما أوجبنا البدار بقرينة الحاجة ، وإلا فالأداء في جميع الأوقات موافق لموجب الأمر وامتثال له وكذلك من لزمه قضاء صلاة الفور فأخر فلا نقول إنه قضاء القضاء ، ولذلك نقول : يفتقر وجوب القضاء إلى أمر مجدد ، ومجرد الأمر بالأداء كاف في دوام اللزوم ، فلا يحتاج إلى دليل آخر وأمر مجدد .

فإذا الصحيح أن اسم القضاء مخصوص بما عين وقته شرعا ثم فات الوقت قبل الفعل . دقيقة : اعلم أن القضاء قد يطلق مجازا وقد يطلق حقيقة فإنه تلو الأداء . وللأداء أربعة أحوال

الأولى : أن يكون واجبا ، فإذا تركه المكلف عمدا أو سهوا وجب عليه القضاء ، ولكن حط المأثم عنه عند سهوه على سبيل العفو ، فالإتيان بمثله بعده يسمى قضاء حقيقة .

الثانية : أن لا يجب الأداء كالصيام في حق الحائض فإنه حرام ، فإذا صامت بعد الطهر فتسميته قضاء مجاز محض وحقيقته أنه فرض مبتدأ ، لكن لما تجدد هذا الفرض بسبب حالة عرضت منعت من إيجاب الأداء حتى فات لفوات إيجابه سمي قضاء . وقد أشكل هذا على طائفة فقالوا : وجب الصوم على الحائض دون الصلاة بدليل وجوب القضاء .

وجعل هذا [ ص: 77 ] الاسم مجازا أولى من مخالفة الإجماع ، إذ لا خلاف أنه لو ماتت الحائض لم تكن عاصية فكيف تؤمر بما تعصي به لو فعلته ؟ وليس الحيض كالحدث ، فإن إزالته تمكن . فإن قيل : فلم تنوي قضاء رمضان ؟ قلنا : إن عنيت بذلك أنها تنوي قضاء ما صنع الحيض من وجوبه فهو كذلك وإن عنيت أنه قضاء وجب عليها في حالة الحيض فهو خطأ ومحال . فإن قيل : فلينو البالغ القضاء لما فات إيجابه في حالة الصغر .

قلنا لو أمر بذلك لنواه ، ولكن لم يجعل فوات الإيجاب بالصبا سببا لإيجاب فرض مبتدأ بعد البلوغ ، كيف والمجاز إنما يحسن بالاشتهار ؟ وقد اشتهر ذلك في الحيض دون الصبا . ولعل سبب اختصاص اشتهاره أن الصبا يمنع أصل التكليف ، والحائض مكلفة فهي بصدد الإيجاب .

الحالة الثالثة : حالة المريض والمسافر إذا لم يجب عليهما لكنهما إن صاما وقع عن الفرض ، فهذا يحتمل أن يقال إنه مجاز أيضا ، إذ لا وجوب ، ويحتمل أن يقال إنه حقيقة إذا فعله في الوقت لصح منه فإذا أخل بالفعل مع صحته ولو فعله شبيه بمن وجب عليه وتركه سهوا أو عمدا ، أو نقول قال الله تعالى : { فعدة من أيام أخر } فهو على سبيل التخيير ، فكان الواجب أحدهما بعينه .

إلا أن هذا البدل لا يمكن إلا بعد فوات الأول ، والأول سابق بالزمان فسمي قضاء لتعلقه بفواته بخلاف العتق والصيام في الكفارة إذ لا يتعلق أحدهما بفوات الآخر ، ولكن يلزم على هذا أن تسمى الصلاة في آخر الوقت قضاء ; لأنه مخير بين التقديم والتأخير كالمسافر . والأظهر أن تسمية صوم المسافر قضاء مجاز ، أو القضاء اسم مشترك بين ما فات أداؤه الواجب وبين ما خرج عن وقته المشهور المعروف به ولرمضان خصوص نسبة إلى الصوم ليس ذلك لسواه بدليل أن الصبي المسافر لو بلغ بعد رمضان لا يلزمه ، ولو بلغ في آخر وقت الصلاة لزمته ; فإخراجه عن مظنة أدائه في حق العموم يوهم كونه قضاء ، والذي يقتضيه التحقيق أنه ليس بقضاء فإن قيل : فالنائم والناسي يقضيان ولا خطاب عليهما ; لأنهما لا يكلفان .

قلنا : هما منسوبان إلى الغفلة والتقصير ، ولكن الله تعالى عفا عنهما وحط عنهما المأثم بخلاف الحائض ثم في المسافر ولذلك يجب عليهما الإمساك بقية النهار تشبها بالصائمين دون الحائض ثم في المسافر مذهبان ضعيفان

أحدهما مذهب أصحاب الظاهر أن المسافر لا يصح صومه في السفر ، لقوله تعالى : { فعدة من أيام أخر } ، فلم يأمره إلا بأيام أخر .

وهو فاسد ; لأن سياق الكلام يفهمنا إضمار الإفطار ، ومعناه من كان مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر ، كقوله تعالى : { فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه } . ويعني : فضرب فانفجرت ; ولأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر كانوا يصومون ويفطرون ولا يعترض بعضهم على بعض

والثاني مذهب الكرخي أن الواجب أيام أخر ، ولكن لو صام رمضان صح وكان معجلا للواجب ، كمن قدم الزكاة على الحول . وهو فاسد ; لأن الآية لا تفهم إلا الرخصة في التأخير وتوسيع الوقت عليه ، والمؤدي في أول الوقت الموسع غير معجل بل هو [ ص: 78 ] مؤد في وقته كما سبق في الصلاة في أول الوقت .

الحالة الرابعة : حال المريض ، فإن كان لا يخشى الموت من الصوم فهو كالمسافر ، أما الذي يخشى الموت أو الضرر العظيم فيعصي بترك الأكل فيشبه الحائض من هذا الوجه ، فلو صام يحتمل أن يقال : لا ينعقد ; لأنه عاص به فكيف يتقرب بما يعصي به ؟ ويحتمل أن يقال : إنما عصى بجنايته على الروح التي هي حق الله تعالى ، فيكون كالمصلي في الدار المغصوبة يعصي لتناوله حق الغير . ويمكن أن يقال : قد قيل للمريض كل فكيف يقال له لا تأكل ، وهو معنى الصوم بخلاف الصلاة والغصب .

ويمكن أن يجاب بأنه قيل له لا تهلك نفسك وقيل له صم ، فلم يعص من حيث إنه صائم بل من حيث سعيه في الهلاك ، ويلزم عليه صوم يوم النحر فإنه نهي لترك إجابة الدعوة إلى أكل القرابين والضحايا وهي ضيافة الله تعالى ، ويعسر الفرق بينهما جدا . فهذه احتمالات يتجاذبها المجتهدون . فإن قلنا : لا ينعقد صومه فتسمية تداركه قضاء مجاز محض كما في حق الحائض ، وإلا فهو كالمسافر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث