الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              القسم الثاني :

              ما لا يرجع إلى الأصل ، ونرجع إلى بقية الأقسام الأربعة نوردها من غير تفصيل لتعلق بعضها بالبعض ، ويرجع ذلك إلى قريب من عشرين وجها .

              الأول : أن تثبت إحدى العلتين بنص قاطع وهذا قد أورد في الترجيح وهو ضعيف ; لأن الظن ينمحي في مقابلة القاطع فلا يبقى معه حتى يحتاج إلى ترجيح ، إذ لو بقي معه لتطرق شكنا إليه ويخرج عن [ ص: 380 ] كونه معلوما ، وقد بينا أنه لا ترجيح لمعلوم على معلوم ولا لمظنون على مظنون .

              الثاني : أن تعتضد إحدى العلتين بموافقة قول صحابي انتشر وسكت عنه الآخرون ، وهذا يصح على مذهب من لا يرى ذلك إجماعا أما من اعتقده إجماعا صار عنده قاطعا ويسقط الظن في مقابلته .

              الثالث : أن تعتضد بقول صحابي وحده ولم ينتشر فقد قال قوم : قوله حجة فإن لم يكن حجة فلا يبعد أن يقوى القياس به في ظن مجتهد ، إذ يقول إن كان ما قاله عن توقيف فهو أولى وإن كان قال ما قاله عن ظن وقياس فهو أولى بفهم مقاصد الشرع منا . ويجوز أن لا يترجح عند مجتهد .

              الرابع : أن يترجح بموافقته بخبر مرسل أو بخبر مردود عنده ، لكن قال به بعض العلماء . فهذا مرجح بشرط أن لا يكون قاطعا ببطلان مذهب القائلين به ، بل يرى ذلك في محل الاجتهاد .

              الخامس : أن تشهد الأصول بمثل حكم إحدى العلتين أعني لجنسها لا لعينها ، فإنه إن شهدت لعينها كان قاطعا رافعا للظنون إلى النيات وشهادة الكفارات لاستواء البدل والمبدل في النية ، فهذا أيضا يصلح للترجيح عند من غلب على ظنه ذلك

              السادس : أن يكون نفس وجود العلة ضروريا في أحدهما نظريا في الآخر ، فإن كانا معلومين أو كان أحدهما متيقنا والآخر مظنونا فإن من أوصاف العلة ما يتيقن ككون البر قوتا وكون الخمر مسكرا ومنه ما يظن ككون الكلب نجسا إذا عللنا منع بيعه بنجاسته وككون التراب مبطلا رائحة النجاسة إذا ألقي في الماء الكثير المتغير لا ساترا

              كذلك علة مركبة من وصفين : أحدهما : ضروري والآخر : نظري أو أحدهما معلوم والآخر مظنون إذا عارضها ما هو ضروري الوصفين أو معلوم الوصفين ; لأن ما علم مجموع وصفيه أولى مما تطرق الشك أو الظن إلى أحد وصفيه ; لأن الحكم لا محالة يتبع وجود نفس العلة فما قوي العلم أو الظن بوجود العلة قوي الظن بحكم العلة .

              السابع : الترجيح بما يعود إلى التعلق بالعلم بالعلة ، فإذا كان إحدى العلتين حكما ككونه حراما أو نجسا ، والأخرى حسيا ككونه قوتا ومسكرا زعموا أن رد الحكم إلى الحكم أولى ، حتى إن تعليل الحكم بالحرية والرق أولى من تعليله بالتمييز والعقل وتعليله بالتكليف أولى من تعليله بالإنسانية ، وهذا من الترجيحات الضعيفة .

              الثامن : أن تكون إحدى العلتين سببا أو سببا للسبب ، كما لو جعل الزنا والسرقة علة للحد والقطع كان أولى من جعل أخذ مال الغير على سبيل الخفية علة ومن جعل إيلاج الفرج في الفرج علة حتى يتعدى إلى النباش واللائط ; لأن تلك العلة استندت إلى الاسم الذي ظهر الحكم به ; هذا إذا تساوت العلتان من كل وجه

              أما إذا دل الدليل على أن الحكم غير منوط بالسبب الظاهر بل بمعنى تضمنه فالدليل متبع فيه كما أن القاضي لا يقضي في حالة الغضب لا للغضب ولكن لكونه ممنوعا من استيفاء الفكر فيجري في الحاقن والجائع ، وهو أولى من التعليل بالغضب الذي ينسب الحكم إليه .

              التاسع : الترجيح بشدة التأثير ، ولا نعني بشدة التأثير قيام الدليل على كونه علة ; لأن الدليل يقوم على المعنى الكائن في نفسه دون الدليل فليكن لكون العلة مؤثرة معنى ، ثم إذا تحقق ذلك في نفسه وفي علم الله تعالى ربما [ ص: 381 ] نصب الله عليه دليلا معرفا أو أمارة معلنة وربما لم ينصب دليلا فإذا قوة الدليل المعرف بكونها علة ليس من شدة التأثير في شيء ، بل فسروا شدة التأثير بوجوه :

              أولها انعكاس العلة مع اطرادها فهي أولى من شدة التي لا تنعكس عند قوم ، إذ دوران الحكم مع عدمها ووجودها نفيا وإثباتا يدل على شدة تأثيرها ، كشدة الخمر إذ يزول الحكم بزوالها .

              الثاني : أن تكون العلة مع كونها علة داعية إلى فعل ما هي علة تحريمه ، كالشدة فإنها محرمة وهي داعية إلى الشرب المحرم ; لما فيها من الإطراب والسرور ، فهي مع تأثيرها في الحكم أثرت في تحصيل محل الحكم وهو الشرب .

              الثالث : أن تكون علة ذات وصف واحد وعارضها علة ذات أوصاف ، فقال قوم : الوصف الواحد أولى ; لأن الحكم الثابت به المخالف للنفي الأصلي أكثر فكان تأثيره أكثر فروعا فهي أكثر تأثيرا . وقال قوم : ذات أوصاف أولى ; لأن الشريعة حنيفية فالباقي على النفي الأصلي أكثر ولا يبعد أن يغلب على ظن المجتهد شيء من ذلك .

              الرابع : أن تكون إحداهما أكثر وقوعا فهي أكثر تأثيرا فتكون أولى ، وهذا بعيد ; لأن تأثير العلة إنما يكون في محل وجودها أما حيث لا وجود لها كيف يطلب تأثيرها .

              الخامس : علة يشهد لها أصلان أولى مما يشهد لها أصل واحد عند قوم ، وهذا يظهر إن كان طريق الاستنباط مختلفا وإن كان متساويا فهو ضعيف ولا يبعد أن يقوى ظن مجتهد به وتكون كثرة الأصول ككثرة الرواة للخبر ، مثاله أنا إذا تنازعنا في أن يد السوم لم توجب الضمان ، فقال الشافعي : رحمه الله علته أنه أخذ لغرض نفسه من غير استحقاق وعداه إلى المستعير .

              وقال الخصم : بل علته أنه أخذ ليتملك فيشهد للشافعي في علته رحمه الله يد الغاصب ويد المستعير من الغاصب ، ولا يشهد لأبي حنيفة رحمه الله إلا يد الرهن فلا يبعد أن يغلب رجحان علة الشافعي عند مجتهد ويكون كل أصل كأنه شاهد آخر ، وكذلك الربا إذا علل بالطعم يشهد له الملح أيضا وإن علل بالقوت لم يشهد له ، فلا يبعد أن يكون ذلك من الترجيحات .

              العاشر من الترجيحات العلة المثبتة للعموم الذي منه الاستنباط فهي أولى من المخصصة . قال الله تعالى : { أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } فبرزت علة تقتضي إخراج المحرم والصغيرة من العموم وبرزت علة أخرى توافق العموم ، فالذي ينفي العموم لمجرده حجة فلا أقل من الترجيح به . وقال قوم : المخصصة أولى ; لأنها عرفت ما لم يعرف العموم فأفادت والعلة المقررة للعموم لم تفد مزيدا فكانت أولى كالمتعدية فإنها أولى من القاصرة عند قوم ، وهذا ضعيف ; لأن المتعدية قررت الملفوظ وألحق به المسكوت وأفادت والقاصرة لم تفد شيئا ، حتى قال قائلون : هي فاسدة ، فتخيل قوم لذلك ترجيح المتعدية ; وليس ذلك بصحيح أيضا ، وأما المخصصة فخالفت موجب العموم فكانت أضعف من التي تخالف .

              الحادي عشر ترجيح العلة بكثرة شبهها بأصلها على التي هي أقل شبها بأصلها ، وهذا ضعيف عند من لا يرى الشبه في الوصف الذي لا يتعلق الحكم به موجبا للحكم ، ومن رأى ذلك موجبا فغايته أن تكون كعلة أخرى ولا يجب ترجيح علتين على علة واحدة لأن الشيء يترجح بقوته لا بانضمام مثله إليه كما لا يترجح الحكم الثابت بالكتاب والسنة والإجماع على الثابت بأحد هذه الأصول

              ويقرب من هذا قولهم : رد الشيء إلى [ ص: 382 ] جنسه أولى من رده إلى غير جنسه ، حتى يكون قياس الصلاة على الصلاة أولى من قياسها على الصوم والحج ; لأنه أقرب شبها به ; وهذا ليس ببعيد ; لأن اختلاف الأصول يناسب اختلاف الأحكام ، فإذا كان جنس المظنون واحدا كان التفاوت أغلب على الظن ، وعن هذا جعل مجرد الشبه حجة عند قوم .

              الثاني عشر علة أوجبت حكما وزيادة مرجحة على ما لا يوجب الزيادة عند قوم ; لأن العلة ترد لحكمها فما كانت فائدتها أكثر فهي أولى ، حتى قالوا : ما أوجب الجلد والتغريب أولى مما لا يوجب إلا الجلد وعلى مساقه قالوا : علة تقتضي الوجوب أولى مما تقتضي الندب وما تقتضي الندب أولى مما تقتضي الإباحة ; لأن في الواجب معنى الندب وزيادة .

              الثالث عشر ترجيح المتعدية على القاصرة ، وهو ضعيف عند من لا يفسد القاصرة ; لأن كثرة الفروع بل وجود أصل الفروع لا تبين قوة في ذات العلة ، بل ينقدح أن يقال : القاصرة أوفق للنص فهي أولى .

              الرابع عشر ترجيح الناقلة عن حكم العقل على المقررة ; لأن الناقلة أثبتت حكما شرعيا والمقررة أثبتت شيئا ، وقال قوم : بل المقررة أولى ; لأنها معتضدة بحكم العقل الذي يستقل بالنفي لولا هذه العلة ، ومثاله علة تقتضي الزكاة في الخضراوات وأخرى تنفي الزكاة ، وعلة توجب الربا في الأرز وأخرى تنفي .

              فإن قيل : فلم صحت العلة المبقية على حكم الأصل ولم تفد شيئا ; لأنها لو لم تكن علة لكنا نبقي الحكم أيضا ؟ قلنا : إن كان الأمر كذلك فلا يصح كمن علل ليدل على أن هبوب الرياح لا يوجب الصوم والوضوء ، بل ينبغي أن يقتضي تفصيلا لا يقتضيه العقل أو تقتضي زيادة شرط أو إطلاقا لا يقتضيه العقل ، كما لو نصب علة الجواز بيع غير القوت فإن تخصيص غير القوت عن القوت مما لا يقتضيه العقل .

              الخامس عشر : تقديم العلة المثبتة على النافية قال به قوم وهو غير صحيح ; لأن النفي الذي لا يثبت إلا شرعا كالإثبات وإن كان نفيا أصليا يرجع إلى ما قدمناه من الناقلة والمقررة ، وقد قال الكرخي : " العلة الدارئة للحد أولى من الموجبة " وهذا يصح بعد ثبوت قوله عليه السلام : { ادرءوا الحدود بالشبهات } ولا يجري في العبادات والكفارات وما لا يسقط بالشبهات ، بل إذا كان للوجوب وجه ، وللسقوط وجه وتعارض الوجهان كان المحل محل شبهة فيسقط لعموم الخبر لا لترجيح الدارئة على الموجبة

              السادس عشر ترجيح علة هي بطريق الأولى على ما هي ، مثل : كتعليل قبول شهادة التائب وقياسه على ما قبل إقامة حد القذف ، وتعليل وجوب كفارة العمد وقياسه على الخطإ وتعليل صحة النكاح عند فساد التسمية قياسا على ترك التسمية وإن كان ذلك بطريق الأولى فهو أقوى

              السابع عشر : رجح قوم العلة الملازمة على التي تفارق في بعض الأحوال ; وهو ضعيف إذ رب لازم لا يكون علة كحمرة الخمر بل كوجود الخمر والبر

              الثامن عشر : رجح قوم علة انتزعت من أصل سلم من المعارضة على علة انتزعت من أصل لم يسلم من المعارضة بمثلها .

              التاسع عشر : رجح قوم علة توجب حكما أخف ; ; لأن الشريعة حنيفية سمحة ورجح آخرون بالضد ; لأن التكليف شاق ثقيل ; فهذه ترجيحات ضعيفة

              : ترجيح علة توجب في الفرع مثل حكمها على علة توجب في الفرع خلاف حكمها ، كتعليل الشافعي - رحمه الله - في مسألة جنين الأمة يوجب حكما مساويا للأصل في التسوية بين الذكر والأنثى ، وتعليل [ ص: 383 ] أبي حنيفة رضي الله عنه يوجب الفرق بين الذكر والأنثى في الفرع ، وإذ أوجب في الأنثى من الأمة عشر قيمتها وفي الذكر نصف عشر قيمته ، والأصل هو جنين الحرة وفي الذكر والأنثى منه خمسة من الإبل ، والعلة التي تقطع النظر عن الأنوثة والذكورة أولى ; لأنها أوفق للأصل .

              فهذه وجوه الترجيحات وبعضها ضعيف يفيد الظن لبعض المجتهدين دون بعض ، ويمكن أن يكون وراء هذه الجملة ترجيحات من جنسها . وفيما ذكرناه تنبيه عليها إن شاء الله تعالى . هذا تمام القول في القطب الرابع وبه وقع الفراغ من الأقطاب الأربعة التي عليها مدار أصول الفقه . وبالله التوفيق ، والحمد لله وحده ، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما .

              التالي السابق


              الخدمات العلمية