الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        يحرم على القاضي الرشوة ، ثم إن كان له رزق في بيت المال ، لم يجز أخذ عوض من الخصوم ، فإن لم يكن ، فقال الشيخ أبو حامد : [ ص: 143 ] لو قال للخصمين : لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقا ، جاز ، ومثله عن القاضي أبي الطيب وغيره ، وهذا نحو ما نقل الهروي أن القاضي إذا لم يكن له رزق من بيت المال وهو محتاج ، ولم يتعين عليه القضاء ، فله أن يأخذ من الخصم أجرة مثل عمله ، وإن تعين ، قال أصحابنا : لا يجوز الأخذ وجوزه صاحب " التقريب " وأما باذل الرشوة ، فإن بذلها ليحكم له بغير الحق ، [ أو يترك الحكم بحق ] حرم عليه البذل ، وإن كان ليصل إلى حقه ، فلا يحرم كفداء الأسير .

                                                                                                                                                                        قلت : وأما المتوسط بين المرتشي والراشي ، فله حكم موكله منهما ، فإن وكلا ، حرم عليه ؛ لأنه وكيل للآخذ وهو محرم عليه ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                        وأما الهدية فالأولى أن يسد بابها ولا يقبلها ، ثم إن كان للمهدي خصومة في الحال ، حرم قبول هديته في محل ولايته ، وهديته في غير محل ولايته ، كهدية من عادته أن يهدى [ له ] قبل الولاية لقرابة أو صداقة ولا يحرم قبولها على الصحيح ، وحكى ابن الصباغ في تحريمها وجها وهو [ مقتضى ] إطلاق الماوردي ، وإن لم يكن له عادة بالهدية قبل الولاية ، فإن زاد المهدي على القدر المعهود ، صارت هديته كهدية من لم يعهد منه الهدية ، وحيث حكمنا بأن القبول ليس بحرام ، فله الأخذ والتملك ، والأولى أن يثبت عليها أو يضعها في بيت المال ، وحيث قلنا بالتحريم ، فقبلها ، لم يملكها على الأصح ، فعلى هذا لو أخذها ، قيل : يضعها في بيت المال ، والصحيح أنه يردها على مالكها ، فإن لم يعرفه ، جعلها في بيت المال .

                                                                                                                                                                        [ ص: 144 ] فرع

                                                                                                                                                                        قد ذكرنا أن الرشوة حرام مطلقا ، والهدية جائزة في بعض الأحوال ، فيطلب الفرق بين حقيقتيهما مع أن الباذل راض فيهما ، والفرق من وجهين ، أحدهما ذكره ابن كج : أن الرشوة هي التي يشرط على قابلها الحكم بغير الحق ، أو الامتناع عن الحكم بحق ، والهدية : هي العطية المطلقة .

                                                                                                                                                                        والثاني قال الغزالي في " الإحياء " : المال إما يبذل لغرض آجل فهو قربة وصدقة ، وإما لعاجل ، وهو إما مال ، فهو هبة بشرط ثواب ، أو لتوقع ثواب ، وإما عمل ، فإن كان عملا محرما ، أو واجبا متعينا ، فهو رشوة ، وإن كان مباحا فإجارة أو جعالة ، وإما للتقرب والتودد إلى المبذول له ، فإن كان بمجرد نفسه ، فهدية ، وإن كان ليتوسل بجاهه إلى أغراض ومقاصد ، فإن كان جاهه بالعلم أو النسب ، فهو هدية ، وإن كان بالقضاء والعمل ، فهو رشوة .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية