الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
21217 9257 - (21724) - (5\197) عن شهر بن حوشب، حدثنا عبد الرحمن بن غنم، أنه زار أبا الدرداء بحمص، فمكث عنده ليالي، فأمر بحماره فأوكف، فقال أبو الدرداء: ما أراني إلا متبعك. فأمر بحماره، فأسرج، فسارا جميعا على [ ص: 502 ] حماريهما، فلقيا رجلا شهد الجمعة بالأمس عند معاوية بالجابية، فعرفهما الرجل ولم يعرفاه، فأخبرهما خبر الناس، ثم إن الرجل قال: وخبر آخر كرهت أن أخبركما، أراكما تكرهانه. فقال أبو الدرداء: فلعل أبا ذر نفي. قال: نعم والله. فاسترجع أبو الدرداء وصاحبه قريبا من عشر مرات، ثم قال أبو الدرداء: ارتقبهم واصطبر، كما قيل لأصحاب الناقة، اللهم إن كذبوا أبا ذر، فإني لا أكذبه اللهم وإن اتهموه، فإني لا أتهمه، اللهم وإن استغشوه، فإني لا أستغشه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتمنه حين لا يأتمن أحدا، ويسر إليه حين لا يسر إلى أحد، أما والذي نفس أبي الدرداء بيده، لو أن أبا ذر قطع يميني ما أبغضته بعد الذي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر ".

التالي السابق


* قوله : "فأوكف له": على بناء المفعول؛ أي: وضع عليه الإكاف.

* "أراكما تكرهانه": أي: الخبر.

* "نفي": أي: أخرج من الشام.

* "قريب": - بالنصب، أو بالرفع - بتقدير: وهو؛ أي: استرجاعهما قريب.

* "ما أظلت الخضراء": أي: ما أوقعت السماء ظلها.

* "ولا أقلت": أي: رفعت عليها.

* "الغبراء": أي: الأرض، وليس المراد أنه فاضل في الصدق على غيره حتى الأنبياء - صلوات الله تعالى عليهم والسلام - بل المراد: أنه بلغ في الصدق نهايته، والمرتبة الأعلى منه؛ بحيث لم يكن أحد يفضل عليه في وصف الصدق، وهو لا يمنع المساواة، وهذا مبني على أن المساواة في وصف الصدق مع الأنبياء جائزة، ولا بعد فيها عقلا، أو المراد: أنه لا يزيد عليه أحد من جنسه في الصدق، وأما الأنبياء، فلا كلام فيهم، بل هم معلوم مرتبتهم.

[ ص: 503 ]

وقيل: قاله على سبيل المبالغة، ولم يرد أنه أصدق من كل على الإطلاق، أو هو مخصوص بغير الأنبياء، ومن هو أفضل منه من الصحابة.

وقيل: المراد: أنه لا يذهب إلى التورية والمعاريض في الكلام، ولا يسامح الناس في الحق، بل يقول الحق وإن كان مرا؛ كما يحكى من أحواله، انتهى. وأنت خبير بأن ما سبق في "مسنده" يدل على أنه كان يستعمل التورية أحيانا .

* * *




الخدمات العلمية