الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 403 - 404 ] كتاب الحج [ ص: 405 - 410 ]

[ ص: 410 ]

التالي السابق


[ ص: 404 ] كتاب الحج أخره عن الصوم لأنه عبادة قهر النفس ، إذ ليس حقيقته سوى منع شهواتها ومحبوباتها التي هي أعظمها عندها ، كالأكل والشرب والجماع ، بخلاف غيره من الصلاة والحج وغيرهما فإن حقيقتها أفعال هي غير ذلك ، ثم قد تحرم تلك الشهوات فيها كالصلاة وقد لا إلا في البعض كالحج ، وشتان ما بين المقامين . وأيضا فالحج يشتمل على السفر . وقد يكون السفر مشتهاها لما فيه من ترويحها وتفريج الهموم اللازمة في المقام ، وأيضا فالحج وجوبه مرة في العمر بخلاف ما تقدم من الأركان كالصلاة والزكاة والصوم فكانت الحاجة إليها أمس ، ووجه آخر للأمسية وهو أن شروط لزوم الحج أكثر من غيره ، وبكثرة شروط الشيء تكثر معانداته ، وعلى قدر معاندات الشيء يقل وجوده وتقديم الأظهر وجوبا أظهر . وقد رأيت أن أتبرك في افتتاح هذا الركن بحديث جابر الطويل . فإنه أصل كبير أجمع حديث في الباب ، ثم نذكر مقدمة في آداب السفر ، والمقصود إعانة الإخوان على تحصيل المقاصد تامة فنقول ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

روى مسلم في صحيحه وغيره كابن أبي شيبة وأبي داود والنسائي وعبد بن حميد والبزار والدارمي في مسانيدهم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال دخلنا على جابر بن عبد الله رضي الله عنه فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت : أنا محمد بن علي بن الحسين . فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ، ثم نزع زري الأسفل ، ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب فقال : مرحبا بك يا ابن أخي . سل عما شئت فسألته وهو أعمى ، وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفا بها ، كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها ، ورداؤه إلى جنبه على المشجب فصلى بنا فقلت : أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بيده فعقد تسعا ، فقال : { إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج ، ثم أذن في الناس في العاشرة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويعمل مثل عمله ، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر رضي الله عنه ، فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصنع ؟ فقال : اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين في المسجد ، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش ، وعن يمينه مثل ذلك ، وعن يساره مثل ذلك ، ومن خلفه مثل ذلك . ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن [ ص: 405 ] وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به فأهل بالتوحيد : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به ، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم منه شيئا ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته . قال جابر لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة ، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } فجعل المقام بينه وبين البيت فكان أبي يقول : ولا أعلمه ذكره إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين { قل هو الله أحد } و { قل يا أيها الكافرون } ثم رجع إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من الباب إلى الصفا ، فلما دنا من الصفا قرأ { إن الصفا والمروة من شعائر الله } ابدءوا بما بدأ الله به ، فبدأ بالصفا فرقى عليه ، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ، ثم نزل إلى المروة ، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي رمل حتى إذا صعدها مشى حتى أتى المروة ، ففعل على المروة كما فعل على الصفا ، حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة ، فقام سراقة بن جعشم رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى فقال : دخلت العمرة في الحج مرتين ، لا بل لأبد أبد . وقدم علي رضي الله عنه من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وسلم ، فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت ، فأنكر ذلك عليها فقالت : إن أبي أمرني بهذا قال : فكان علي رضي الله عنه بالعراق يقول : فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محرشا على فاطمة للذي صنعت مستفتيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكرت عنه ، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها فقال : صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج ؟ قال : قلت : اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فإن معي الهدي فلا تحل ، قال : فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي رضي الله عنه من اليمن ، والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم مائة قال : فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي ، فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج ، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس فأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أضع من [ ص: 406 ] دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله ، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله ، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال : بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكثها إلى الناس : اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر . ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف ، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ، ويقول بيده اليمنى : أيها الناس السكينة السكينة ، كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده ، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، فدفع قبل أن تطلع الشمس ، وأردف الفضل بن العباس وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما ، فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن ، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر ، فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل وصرف وجهه من الشق الآخر ينظر ، حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى ، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر ، فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال : انزعوا بني عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ، فناولوه دلوا فشرب منه } . وفي رواية أخرى قال : { نحرت هاهنا ومنى كلها منحر ، فانحروا في رحالكم ، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ، ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف } قال ابن حبان في صحيحه حين روى هذا الحديث : والحكمة في أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر بيده ثلاثا وستين بدنة أنه كانت له يومئذ ثلاث وستون سنة فنحر لكل سنة بدنة ثم أمر عليا بالباقي فنحرها ، والله سبحانه وتعالى أعلم . [ ص: 407 ] هذه المقدمة الموعودة ] يكره الخروج إلى الحج إذا كره أحد أبويه وهو محتاج إلى خدمته ، لا إن كان مستغنيا والأجداد والجدات كالأبوين عند فقدهما



ويكره الخروج للحج والغزو لمديون إن لم يكن له مال يقضي به إلا أن يأذن الغريم ، فإن كان بالدين كفيل بإذنه لا يخرج إلا بإذنهما ، وإن بغير إذنه فبإذن الطالب وحده ، ويشاور ذا رأي في سفره في ذلك الوقت لا في نفس الحج فإنه خير ، وكذا يستخير الله تعالى في ذلك . وسننها أن يصلي ركعتين بسورتي قل يا أيها الكافرون والإخلاص ، ويدعو بالدعاء المعروف للاستخارة عنه عليه الصلاة والسلام { اللهم إني أستخيرك بعلمك } إلخ . أخرج الحاكم عنه عليه الصلاة والسلام { من سعادة ابن آدم استخارة الله تعالى ، ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله تعالى } ثم يبدأ بالتوبة وإخلاص النية ورد المظالم والاستحلال من خصومه ، ومن كل من عامله ، ويجتهد في تحصيل نفقة حلال ، فإنه لا يقبل الحج بالنفقة الحرام مع أنه يسقط الفرض معها وإن كانت مغصوبة . ولا تنافي بين سقوطه وعدم قبوله فلا يثاب لعدم القبول ولا يعاقب في الآخرة عقاب تارك الحج ، ولا بد له من رفيق صالح يذكره إذا نسي ، ويصبره إذا جزع ، ويعينه إذا عجز ، وكونه من الأجانب أولى من الأقارب عند بعض الصالحين تبعدا من ساحة القطيعة ، ويري المكاري ما يحمله ولا يحمل أكثر منه إلا بإذنه ، ويجرد سفره عن التجارة والرياء والسمعة والفخر ، ولذا كره بعض العلماء الركوب في المحمل . وقيل لا يكره إذا تجرد عن قصد ذلك ، وركوب الجمل أفضل ،



ويكره الحج على الحمار ، والمشي أفضل من الركوب لمن يطيقه ، ولا يسيء خلقه ، ولا يماكس في شراء الأدوات ، ولا يشارك في الزاد ، واجتماع الرفقة كل يوم على طعام أحدهم أفضل . ويستحب أن يجعل خروجه يوم الخميس اقتداء به عليه الصلاة والسلام ، وإلا فيوم الاثنين في أول النهار ، والشهر ، ويودع أهله وإخوانه ويستحلهم ويطلب دعاءهم ، ويأتيهم لذلك وهم يأتونه إذا قدم . وروى الترمذي { أن ابن عمر رضي الله عنهما قال لقزعة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول . قال لقمان الحكيم : إن الله إذا استودع شيئا حفظه ، وإني أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ، وأقرأ عليك السلام ويقول له : من يودعه عند ذلك : في حفظ الله وكنفه زودك الله التقوى ، وجنبك الردى ، وغفر ذنبك ، ووجهك الخير أينما توجهت } وروى ابن السني عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام قال { من أراد أن يسافر فليقل لمن يخلفه أستودعك الله الذي لا يضيع ودائعه } واستحب جماعة من العلماء أن يشيع المسافر بالمشي معه والدعاء له . { وعن ابن عباس رضي الله عنه مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد حين وجههم ثم قال : انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم } وليتصدق بشيء عند خروجه من منزله وبعده في ابتداء السفر ، وأقله شبعة فإنه سبب السلامة . وإذا خرج من منزله فليقل " اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل ، أو أزل أو أزل ، أو أظلم أو أظلم ، أو أجهل أو يجهل علي "

وعن ابن عباس رضي الله عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الخروج إلى السفر قال : اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم إني أعوذ بك من الضيعة في السفر ، والكآبة في المنقلب ، اللهم اقبض لنا الأرض ، وهون علينا السفر } وروى أبو داود عنه عليه الصلاة والسلام { إذا خرج الرجل من بيته فقال : باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله ، ويقال له : هديت وكفيت ووقيت فيتنحى عنه الشيطان } الحديث . ومن الآثار { من قرأ آية الكرسي [ ص: 408 ] قبل خروجه من منزله لم يصبه شيء يكرهه حتى يرجع } قيل ولإيلاف قريش وروى الطبراني أنه عليه الصلاة والسلام قال { ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفرا ، } فإذا بلغ باب داره قرأ { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ، فإذا أراد الركوب سمى الله ، فإذا استوى على دابته قال : ما رواه مسلم { أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى ، اللهم هون علينا سفرنا هذا ، واطو عنا بعده ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ، وكآبة المنظر ، وسوء المنقلب في المال والأهل ، وإذا رجع قالهن وزاد فيهن : آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون } وإذا أتى بلدة فليقل : اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما فيها ، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها ، وإذا نزل منزلا فليقل { رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين } واذا حط رحله فليقل بسم الله توكلت على الله ، أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق وذرأ وبرأ سلام على نوح في العالمين اللهم أعطنا خير هذا المنزل وخير ما فيه ، واكفنا شره وشر ما فيه ، ويقول في رحيله عنه : الحمد لله الذي عافانا في منقلبنا ومثوانا ، اللهم كما أخرجتنا من منزلنا هذا سالمين بلغنا غيره آمنين ، وإذا أقبل الليل فليقل ما في أبي داود { كان عليه الصلاة والسلام إذا سافر فأقبل الليل قال : يا أرض ربي وربك الله ، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك ، وشر ما يدب عليك ، وأعوذ بالله من شر أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ووالد وما ولد } . ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه { كان عليه الصلاة والسلام إذا كان في سفر وأسحر يقول سمع سامع بحمد الله ، وحسن بلائه علينا ، ربنا صاحبنا ، وأفضل علينا عائذا بالله من النار } رواه مسلم وزاد فيه أبو داود { بحمد الله ونعمته } ورواه الحاكم وزاد فيه : { يقول ذلك ثلاثا يرفع بها صوته } وسمع بكسر الميم خفيفة أي شهد شاهد ، وقيل : بفتحها مشددة : أي بلغ سامع قولي هذا لغيره تنبيها على طلب الذكر والدعاء



، هذا وللحج مفهوم لغوي وفقهي ، وسبب وشروط وأركان وواجبات وسنن ومستحبات .

[ فمفهومه ] لغة : القصد إلى معظم لا القصد المطلق . قال :

ألم تعلمي يا أم أسعد أنما تخاطأني ريب الزمان لأكبرا وأشهد من عوف حلولا كثيرة
يحجون سب الزبرقان المزعفرا

أي يقصدونه معظمين إياه . وفي الفقه : قصد البيت لأداء ركن من أركان الدين ، أو قصد زيارته لذلك . ففيه معنى اللغة ، والظاهر أنه عبارة عن الأفعال المخصوصة من الطواف الفرض ، والوقوف في وقته محرما بنية الحج ، سابقا . لأنا نقول : أركانه اثنان : الطواف والوقوف بعرفة ، ولا وجود للشخص إلا بأجزائه الشخصية وماهيته [ ص: 409 ] الكلية إنما هي منتزعة منها ; اللهم إلا أن يكون ما ذكروا مفهوم الاسم في العرف ، وقد وضع لغير نفس الماهية فيكون تعريفا اسميا غير حقيقي ، لكن الشأن في أن أهل العرف الفقهي وضعوا له الاسم لغير الماهية الحقيقية ، فإن معرف ذلك حيث لا نقل عن خصوص ناقل للاسم إلى ذلك هو ما يتبادر منه عند إطلاقه ، والمتبادر منه الأعمال المخصوصة لا نفس القصد لأجل الأعمال المخرج لها عن المفهوم مع أنه فاسد في نفسه ، فإنه لا يشمل الحج النفل لتقييده بأداء ركن الدين فهو غير جامع ، والتعريف للحج مطلقا لينطبق على فرضه ونفله كما هو تعريف الصلاة والصوم وغيرهما ، ولأنه على ذلك التقدير يخالف سائر أسماء العبادات السابقة من الصلاة والصوم والزكاة فإنها أسماء للأفعال كما يقال : الصلاة عبارة عن القيام والقراءة والركوع والسجود إلخ ، والصوم هو الإمساك إلخ ، وهو فعل من أفعال النفس . والزكاة عند المحققين عبارة عن نفس أداء المال الذي هو فعل المكلف . فليكن الحج أيضا عبارة عن الأفعال الكائنة عند البيت وغيره كعرفة ، وقد اندرج فيما ذكرنا بيان أركانه . .



[ وسببه ] البيت ، لأنه يضاف إليه .



[ وشرائطه نوعان ] شرط الوجوب والأداء . والثاني الإحرام والمكان والزمان المخصوص حتى لا يجوز شيء من أفعاله قبل أشهر الحج . ومنهم من ذكر بدل الإحرام النية ، وهذا أولى لاستلزامه النية وغيرها على ما سيظهر لك إن شاء الله تعالى .



وشرط وجوبه : الإسلام ، حتى لو ملك ما به الاستطاعة حال كفره ثم أسلم بعدما افتقر لا يجب عليه شيء بتلك الاستطاعة ، بخلاف ما لو ملكه مسلما فلم يحج حتى افتقر حيث يتقرر الحج في ذمته دينا عليه ، والحرية والعقل والبلوغ والوقت أيضا ، فلا يجب قبل أشهر الحج ، حتى لو ملك ما به الاستطاعة قبلها كان في سعة من صرفها إلى غيره ، وأفاد هذا قيدا في صيرورته دينا إذا افتقر ، وهو أن يكون مالكا في أشهر الحج فلم يحج .

والأولى أن يقال : إذا كان قادرا وقت خروج أهل بلده إن كانوا يخرجون قبل أشهر الحج لبعد المسافة ، أو قادرا في أشهر الحج إن كانوا يخرجون فيها ولم يحج حتى افتقر تقرر دينا ، وإن ملك في غيرها وصرفها إلى غيره لا شيء عليه ، واقتصر في الينابيع على الأول فقال : ولا يجب إلا على القادر وقت خروج أهل بلده ، فإن ملكها قبل أن يتأهب أهل بلده للخروج فهو في سعة من صرفها حيث شاء لأنه لا يلزمه التأهب في الحال ، وما ذكرناه أولى لأن هذا يقتضي أنه لو ملك في أوائل الأشهر وهم يخرجون في أواخرها جاز له إخراجها ، ولا يجب عليه الحج .

واعلم أن في المبسوط ما يفيد أن الوقت شرط الأداء عند أبي يوسف ، فإنه نقل من اختلاف زفر ويعقوب : أن نصرانيا لو أسلم وصبيا لو بلغ فماتا قبل إدراك الوقت ، وأوصى كل منهما أن يحج عنه حجة الإسلام فوصيتهما باطلة عند زفر ، لأنه لم يلزمهما بأن يحج عنهما قبل إدراك الوقت ، وعلى قول أبي يوسف : تصح لأن سبب الوجوب قد تقرر في حقهما ، والوقت شرط الأداء ، وفيه نظر نذكره من بعد إن شاء الله تعالى .



[ وواجباته ] إنشاء الإحرام من الميقات أو ما فوقه ما لم يخش الوقوع في محظوره لكثرة البعد ، ومد الوقوف بعرفة إلى الغروب ، والوقوف بمزدلفة ، والسعي ، ورمي الجمار ، والحلق أو التقصير ، وطواف الصدر للآفاقي .



[ ص: 410 ] وأما سننه ] فطواف القدوم ، والرمل فيه ، أو في الطواف الفرض ، والسعي بين الميلين الأخضرين جريا ، والبيتوتة بمنى ليالي أيام منى ، والدفع من منى إلى عرفة بعد طلوع الشمس ، ومن مزدلفة إلى منى قبلها ، وغير ذلك مما ستقف عليه في أثناء الباب .



[ وأما محظوراته فنوعان ] ما يفعله في نفسه وهو الجماع ، وإزالة الشعر ، وقلم الأظفار ، والتطيب ، وتغطية الرأس والوجه ، ولبس المخيط . وما يفعله في غيره وهو حلق رأس الغير ، والتعرض للصيد في الحل والحرم . وأما قطع شجر الحرم كما في النهاية منقولا فلا ينبغي عده فيما نحن فيه ، فإن حرمته لا تعلق بالحج ولا الإحرام




الخدمات العلمية