الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( ويرمل في الثلاثة الأول من الأشواط ) والرمل أن يهز في مشيته [ ص: 454 ] الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين وذلك مع الاضطباع . وكان سببه إظهار الجلد للمشركين حين قالوا : أضناهم حمى يثرب ، ثم بقي الحكم بعد زوال السبب في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وبعده . قال ( ويمشي في الباقي على هينته ) على ذلك اتفق رواة نسك رسول الله عليه الصلاة والسلام ( والرمل من الحجر إلى الحجر ) هو المنقول من رمل النبي عليه الصلاة والسلام ( فإن زحمه الناس في الرمل قام . فإذا وجد مسلكا رمل ) لأنه لا بد [ ص: 455 ] له فيقف حتى يقيمه على وجه السنة بخلاف الاستلام لأن الاستقبال بدل له .

التالي السابق


( قوله وكان سببه إلخ ) في الصحيحين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم قال { قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب . فقال المشركون إنه يقدم غدا عليكم قوم قد وهنتهم الحمى ، ولقوا منها شدة . فجلسوا مما يلي الحجر . فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط . ويمشوا بين الركنين ليرى المشركون جلدهم ، فقال المشركون : هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هم أجلد من كذا وكذا } وقال ابن عباس : ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم ا هـ . ويعني بالركنين اليماني والأسود كما في أبي داود { كانوا إذا بلغوا الركن اليماني وتغيبوا عن قريش مشوا ثم يطلعون عليهم فيرملون يقول المشركون كأنهم الغزلان } قال ابن عباس : فكانت سنة .

فعن هذا ذهب الحسن البصري وسعيد بن جبير وعطاء إلى أنه لا رمل بين الركنين . وذهب ابن عباس رضي الله عنهما فيما نقل عنه إلى أنه لا رمل أصلا . ونقله الكرماني عن بعض مشايخنا ، وفي الصحيحين عن أبي الطفيل قال : { قلت لابن عباس : يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمل بالبيت وأن ذلك سنة ، قال : صدقوا وكذبوا ؟ قلت : ما صدقوا وكذبوا ؟ قال : صدقوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمل ، وكذبوا ليس سنة . إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة ، فقال المشركون إن محمدا وأصحابه لا يستطيعون أن يطوفوا بالبيت من الهزال . وكانوا يحسدونه فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يرملوا ثلاثا ويمشوا أربعا }

فأشار المصنف إلى خلاف الفريقين بقوله : ثم بقي الحكم بعد زوال السبب في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده ، وبقوله " والرمل من الحجر إلى الحجر هو المنقول " أما أنه بقي الحكم بعد زوال السبب في زمنه عليه الصلاة والسلام وبعده فلحديث جابر الطويل { أنه رمل في حجة الوداع } وتقدم الحديث ، وكذا الصحابة بعده والخلفاء الراشدون وغيرهم . وأخرج البخاري عن ابن عمر { أن عمر قال : ما لنا [ ص: 455 ] وللرمل ، إنما كنا راءينا به المشركين وقد أهلكهم الله ، ثم قال : شيء صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه } وأخرج أبو داود وابن ماجه عن زيد بن أسلم عن أبيه قال " سمعت عمر رضي الله عنه يقول : فيم الرمل ؟ وكشف المناكب ، وقد أعز الله تعالى الإسلام ونفى الكفر وأهله ؟ ومع ذلك فلا ندع شيئا كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأما أنه من الحجر إلى الحجر منقولا ففي مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر قال { رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجر إلى الحجر ثلاثا ومشى أربعا } وأخرج مسلم والترمذي عن جابر مثله .

وفي مسند الإمام أحمد عن أبي الطفيل عامر بن واثلة { أنه عليه الصلاة والسلام رمل ثلاثا من الحجر إلى الحجر } . وفي آثار محمد بن الحسن مرسلا : أخبرنا أبو حنيفة رحمه الله عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي { أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر إلى الحجر } فهذه تقدم على ذلك لأنها مثبتة وذلك ناف .

وأيضا فإنما في ذلك الإخبار عن الصحابة رضي الله عنهم والمخبر عنه في هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ما فسر المصنف الرمل به هو ما فسر به في المبسوط . وقيل : هو إسراع مع تقارب الخطا دون الوثوب والعدو . هذا والرمل بالقرب من البيت أفضل . فإن لم يقدر فهو بالبعد من البيت أفضل من الطواف بلا رمل مع القرب منه . ولو مشى شوطا ثم تذكر لا يرمل إلا في شوطين ، وإن لم يذكر في الثلاثة لا يرمل بعد ذلك




الخدمات العلمية