الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              الباب الثلاثون في بعض ما لاقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش بعد موت أبي طالب

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن إسحاق : فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تطمع فيه في حياة أبي طالب .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن إسحاق عن عبد الله بن جعفر قال : لما مات أبو طالب اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تبكي فإن الله مانع أباك . ويقول بين ذلك : ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الطبراني وأبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما مات أبو طالب تجهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا عم ما أسرع ما وجدت فقدك .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البيهقي عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما زالت قريش كاعين حتى مات أبو طالب .

                                                                                                                                                                                                                              ورواه الطبراني والبيهقي من طريق آخر عن عائشة مرفوعا .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن سعد عن حكيم بن حزام وثعلبة بن صعير قالا : لما توفي أبو طالب وخديجة اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبتان ، فلزم بيته وأقل الخروج ، ونالت قريش منه ما لم تكن تنال ولا تطمع فيه ، فبلغ ذلك أبا لهب فجاء فقال : يا محمد امض لما أردت وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيا فاصنعه لا واللات والعزى لا يوصل إليك حتى أموت .

                                                                                                                                                                                                                              وسب ابن الغيطلة النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه أبو لهب فنال منه فولى وهو يصيح يا معشر قريش صبأ أبو عتبة ، فأقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب فقال : ما فارقت دين عبد المطلب ولكن أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضي لما يريد . قالوا : قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم .

                                                                                                                                                                                                                              فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك أياما يذهب ويأتي لا يعترض له أحد من قريش [ ص: 436 ] وهابوا أبا لهب ، إلى أن جاء عقبة بن أبي معيط وأبو جهل بن هشام إلى أبي لهب فقالا له : أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ فقال له أبو لهب : يا محمد أين مدخل عبد المطلب ؟ قال : مع قومه فخرج أبو لهب إليهما فقال : قد سألته فقال ، مع قومه فقالا : يزعم أنه في النار . فقال : يا محمد أيدخل عبد المطلب النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ومن مات على مثل ما مات عبد المطلب دخل النار . فقال أبو لهب : لا برحت لك عدوا وأنت تزعم أن عبد المطلب في النار .

                                                                                                                                                                                                                              فاشتد عليه هو وسائر قريش
                                                                                                                                                                                                                              .

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن إسحاق : وكان النفر الذي يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته : أبو لهب والحكم بن أبي العاصي بن أمية ، وعقبة بن أبي معيط وعدي بن الحمراء ، وابن الأصداء الهذلي ، وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاصي ، وكان أحدهم ، فيما ذكر لي ، يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي ، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له ، حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا يستتر به منهم إذا صلى .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البخاري وابن المنذر وأبو يعلى والطبراني عن عروة قال : سألت عمرو بن العاصي فقلت : أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه ، فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم الآية .

                                                                                                                                                                                                                              زاد الأخيران : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضى صلاته مر بهم وهم جلوس في ظل الكعبة فقال : يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذبح وأشار بيده إلى حلقه فقال أبو جهل : يا محمد ما كنت جهولا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنت منهم
                                                                                                                                                                                                                              .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البزار وأبو يعلى برجال الصحيح عن أنس رضي الله عنه : لقد ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غشي عليه فقام أبو بكر ينادي : ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله .

                                                                                                                                                                                                                              فقالوا : من هذا؟ فقالوا : أبو بكر المجنون
                                                                                                                                                                                                                              .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الشيخان والبزار والطبراني عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش غير يوم واحد ، فإنه كان يصلي ورهط من قريش جلوس وسلا جزور نحرت بالأمس قريبا فقالوا- وفي رواية فقال أبو جهل - من يأخذ سلا هذا الجزور فيضعه على كتفي محمد إذا سجد فانبعث أشقاهم عقبة بن أبي معيط فجاء به فقذفه على ظهره صلى الله عليه وسلم ، فضحكوا وجعل بعضهم يميل إلى بعض والنبي صلى الله عليه وسلم ما يرفع رأسه .

                                                                                                                                                                                                                              وجاءت فاطمة رضي الله عنها فطرحته عن ظهره ودعت على من صنع ذلك . فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 437 ] صلاته رفع رأسه فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم دعا عليهم وكان إذا دعا دعا ثلاثا وإذا سأل سأل ثلاثا ثم قال : «اللهم عليك بالملإ من قريش ، اللهم عليك بأبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عقبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط » . وذكر السابع فلم أحفظه . فوالذي بعثه بالحق لقد رأيت الذين سمى صرعى ببدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر غير أمية بن خلف فإنه كان رجلا بادنا فتقطع قبل أن يبلغ به إليه
                                                                                                                                                                                                                              .

                                                                                                                                                                                                                              زاد البزار والطبراني في الأوسط : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد فلقيه أبو البختري ومع أبي البختري سوط يتخصر به فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكر وجهه فقال : ما لك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : خل عني قال : علم الله لا أخلي عنك أو تخبرني ما شأنك فلقد أصابك شيء . فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غير مخل عنه أخبره قال : إن أبا جهل أمر فطرح علي فرث . قال أبو البختري : هلم إلى المسجد . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو البختري فدخلا المسجد ثم أقبل أبو البختري على أبي جهل فقال يا أبا الحكم أنت الذي أمرت بمحمد فطرح عليه الفرث؟ فقال : نعم . فرفع السوط . فضرب به رأسه فثار الرجال بعضها إلى بعض وصاح أبو جهل : ويحكم إنما أراد محمد أن يلقي بيننا العداوة وينجو هو وأصحابه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال : لقد ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غشي عليه ، فقام أبو بكر رضي الله عنه فجعل ينادي : ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله .

                                                                                                                                                                                                                              وروى البزار وأبو نعيم في الفضائل عن علي رضي الله عنه أنه قال : أيها الناس أخبروني بأشجع الناس . قالوا : لا نعلم ، فمن؟ قال : أبو بكر ، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش ، هذا يجأه وهذا يتلتله وهم يقولون : أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا . قال : والله ما دنا منه منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويجالد هذا ويتلتل هذا ويقول : ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله! ثم رفع علي بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ، ثم قال : أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر ؟ فسكت القوم ، فقال : ألا تجيبونني؟ فوالله لساعة من أبي بكر خير من مثلي مؤمن آل فرعون ، ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه .

                                                                                                                                                                                                                              وروى الدارقطني في الأفراد عن عمرو بن عثمان بن عفان عن أبيه قال : أكثر ما نالت قريش من النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أبي طالب .

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية