الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              4442 532 \ 4277 وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنهما، أن امرأة - يعني من غامد- أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني قد فجرت، فقال: ارجعي فرجعت، فلما كان الغد أتته فقالت: لعلك أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك، فوالله إني لحبلى، فقال لها: ارجعي فرجعت، فلما كان الغد أتته فقال لها: ارجعي حتى تلدي فرجعت، فلما ولدت أتته بالصبي فقالت: هذا قد ولدته، فقال لها: ارجعي، فأرضعيه حتى تفطميه، فجاءت به وقد فطمته، وفي يده شيء يأكله، [ ص: 108 ] فأمر بالصبي فدفع إلى رجل من المسلمين، وأمر بها فحفر لها، وأمر بها فرجمت، وكان خالد فيمن يرجمها، فرجمها بحجر، فوقعت قطرة من دمها على وجنته فسبها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : مهلا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة، لو تابها صاحب مكس لغفر له، وأمر بها فصلي عليها ودفنت .

                                                              وأخرجه مسلم أتم من هذا، و[حديث]، النسائي مختصر كالذي هنا.

                                                              وفي إسناده [بشير بن] مهاجر الغنوي الكوفي، وليس له في "صحيح مسلم " سوى هذا الحديث، وقد وثقه ابن معين.

                                                              وقال الإمام أحمد: منكر الحديث، يجيء بالعجائب، مرجئ متهم. وقال: في أحاديث ماعز كلها أن ترديده، إنما كان في مجلس واحد، إلا ذاك الشيخ بشير بن مهاجر. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به . وغمزه غيرهما.

                                                              ولا عيب على مسلم في إخراج هذا الحديث، فإنه أتى به في الطبقة الثانية، بعدما ساق طرق حديث ماعز، وأتى به آخرا، ليبين اطلاعه على طرق الحديث.

                                                              وذكر أن حديث عمران بن حصين فيه أنه أمر برجمها، حين وضعت ولم يستأن بها. وكذا روي عن علي رضي الله عنه ، أنه فعل بشراحة . وإلى هذا ذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.

                                                              [ ص: 109 ] وقال أحمد وإسحاق: تترك حتى تضع ما في بطنها، ثم تترك حولين حتى تفطمه، ويشبه أن يكونا ذهبا إلى هذا الحديث. وحديث عمران أجود، وهذا الحديث راويه بشير بن المهاجر.

                                                              وقيل: يحتمل أن تكونا امرأتين: إحداهما وجد لولدها كفيل وقبلها، والأخرى لم يوجد لولدها كفيل أو لم يقبل، فوجب إمهالها حتى يستغني عنها، لئلا يهلك بهلاكها; ويكون الحديثان على واقعتين ويرتفع الخلاف .

                                                              التالي السابق




                                                              قال ابن القيم رحمه الله: وقد اختلف في حديث ماعز، هل حفر له أم لا ؟.

                                                              ففي "صحيح مسلم"، عن أبي سعيد الخدري قال : لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرجم ماعز بن مالك، خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما حفرنا له، ولا أوثقناه، ولكن قام لنا فرميناه بالعظام والخزف، فاشتكى، فخرج يشتد حتى انتصب لنا في عرض الحرة.. . الحديث .

                                                              وفي "صحيح مسلم" أيضا، عن ابن بريدة قال : جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فأريد أن تطهرني، فرده، فلما كان من الغد أتاه، فقال يا رسول الله، إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله، فقال: هل تعلمون بعقله بأسا؟ تنكرون منه شيئا ؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا، فيما نرى، فأتاه الثالثة، [ ص: 110 ] فأرسل إليهم أيضا، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم فذكر الحديث .

                                                              وهذا الحديث فيه أمران، سائر طرق حديث ماعز تدل على خلافهما:

                                                              أحدهما: أن الإقرار منه، وترديد النبي صلى الله عليه وسلم كان في مجالس متعددة، وسائر الأحاديث تدل على أن ذلك كان في مجلس واحد.

                                                              الثاني: ذكر الحفر فيه، والصحيح في حديثه: أنه لم يحفر له، والحفر فيه وهم، ويدل عليه أنه هرب وتبعوه.

                                                              وهذا - والله أعلم - من سوء حفظ بشير بن مهاجر، وقد تقدم قول الإمام أحمد: إن ترديده إنما كان في مجلس واحد، إلا ذلك الشيخ بشير بن مهاجر.




                                                              الخدمات العلمية