الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وأما شبه العمد : فهو ما تعمدت ضربه بالعصا أو السوط أو الحجر أو اليد فإن في هذا الفعل معنيين : العمد باعتبار قصد الفاعل إلى الضرب ، ومعنى الخطأ باعتبار [ ص: 65 ] انعدام القصد منه إلى القتل ; لأن الآلة التي استعملها آلة الضرب للتأديب دون القتل ، والعاقل إنما يقصد كل فعل بآلته فاستعماله آلة التأديب دليل على أنه غير قاصد إلى القتل فكان في ذلك خطأ لشبه العمد صورة من حيث إنه كان قاصدا إلى الضرب ، وإلى ارتكاب ما هو محرم عليه .

وكان مالك رحمه الله يقول لا أدري ما شبه العمد ، وإنما القتل نوعان عمد وخطأ ، وهذا فاسد فإن شبه العمد ورد الشرع به على ما رواه النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا وفيه مائة من الإبل أربعون منها خلفة في بطونها أولادها } ، والصحابة اتفقوا على شبه العمد حيث أوجبوا الدية فيه مغلظة مع اختلافهم في صفة التغليظ على ما نبينه وقال علي رضي الله عنه شبه العمد الضربة بالعصا والعزقة بالحجر العظيم .

فأما بيان أحكام شبه العمد فنقول : إنه لا قصاص فيه ; لتمكن الشبهة ، والخطأ من حيث انعدام القصد إلى القتل ، والقصاص عقوبة تندرئ بالشبهات ، وهي تعمد المساواة ، ولا مساواة بين قتل مقصود وقتل غير مقصود ، ثم هذا القتل لما اجتمع فيه معنيان أحدهما يوجب القصاص ، والآخر يمنع ترجح المانع على الموجب ; لأن السعي في إبقاء النفس واجب ما أمكن ، فإن الإبقاء حياة حقيقة ، وفي القصاص حياة حكما فلهذا لا يوجب القود في شبه العمد ، وإذا تعذر إيجاب القود وجبت الدية ، وهي مغلظة كما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { أربعون خلفة في بطونها أولادها } وهو مروي عن ابن عمر وابن مسعود وأبي موسى الأشعري والمغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنهم أوجبوا الدية مغلظة في شبه العمد ، وهذا التغليظ إنما يظهر في أسنان الإبل إذا وجبت الدية منها لا في شيء آخر ، وهذه الدية على عاقلة القاتل بمنزلة الدية في الخطأ ، وهو قول عامة العلماء ، وكان أبو بكر الأصم يقول : لا تجب الدية على العاقلة بحال ; لظاهر قوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } { ; ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي رمثة حين دخل عليه مع ابنه أما أنه لا يجني عليك ، ولا تجني عليه } أي لا يؤخذ بجنايتك ، ولا تؤخذ بجنايته . ولأن ضمان الإتلاف يجب على المتلف دون غيره بمنزلة غرامات الأموال ، وهذا أولى

; لأن جناية المتلف في إتلاف النفس أعظم من جنايته في إتلاف الأموال ، ولكنا نستدل بما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل عقل جناية كل بطن من الأنصار عليهم } ، وفي حديث { حمدان بن مالك بن نابغة قال : كنت بين جاريتين لي فضربت أحدهما بطن صاحبتها بعمود فسطاط أو بمسطح خيمة فألقت جنينا ميتا فاختصم أولياؤها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام [ ص: 66 ] لأولياء الضاربة دوه فقال أخوها عمران بن عويمر الأسلمي أندي من لا صاح ، ولا استهل ، ولا شرب ، ولا أكل ومثل دمه بطل فقال عليه الصلاة والسلام أسجع كسجع الكهان } ، وفي رواية { دعني ، وأراجيز العرب قوموا فدوه } الحديث .

ففيه تنصيص على إيجاب الدية على القاتل ثم هو معقول المعنى من أوجه : أحدها أن مثل هذا الفعل إنما يقصده القاتل بزيادة قوة له ، وذلك إنما يكون بالتناصر الظاهر بين الناس ، ولهذا التناصر أسباب منها ما يكون بين أهل الديوان باجتماعهم في الديوان ، ومنها ما يكون بين العشائر ، وأهل المحال ، وأهل الحرف فإنما يكون تمكن الفاعل من مباشرتهم بنصرتهم فيوجب المال عليهم ; ليكون زجرا لهم عن غلبة سفهائهم ; وبعثا لهم على الأخذ على أيدي سفهائهم لكي لا تقع مثل هذه الحادثة هذا في شبه العمد ، وكذلك في الخطأ ; لأن مثل هذا الأمر العظيم قلما يبتلى به المرء من غير قصد إلا لضرب استهانة وقلة مبالاة تكون منه ، وذلك بنصره من ينصره ثم الدية مال عظيم ، وفي إيجاب الكل على القاتل إجحاف به فأوجب الشرع ذلك على العاقلة ; دفعا لضرر الإجحاف عن القاتل كما أوجب النفقة على الأقارب بطريق الصلة ; لدفع ضرر الحاجة .

ولهذا أوجب عليهم مؤجلا على وجه يقل ما يؤديه كل واحد منهم في كل نجم ليكون الاستيفاء في نهاية من التيسير عليهم ولأن كل واحد منهم يخاف على نفسه أن يبتلى بمثل ذلك فهذا يواسي ذلك إذا ابتلي به ، وذلك يواسي هذا فيدفع ضرر الإجحاف من كل واحد منهم ويحصل معنى صيانة دم المقتول عن الهدر ، ومعنى الإعسار لورثته بحسب الإمكان ، وبهذا يتبين أنا لا نجعل وزر أحد على غيره ، وإنما نوجب ما نوجبه على العاقلة بطريق الصلة في المواساة ، وبهذا لا نوجب ذلك إن كان المتلف مالا ; لأن الواجب قل ما يعظم هناك بل يتقدر بقدر المتلف فلا يؤدي إلى الإجحاف بالمتلف أن لو ضمن به ، وهذا لا نوجب القليل من الأرش ، وهو ما دون أرش الموضحة على العاقلة .

ومن موجب شبه العمد أيضا حرمان الميراث ; لأنه جزاء أصل الفعل ، وهو ما لا يندرئ بالشبهات ومن موجبه الكفارة أيضا باعتبار هذا المعنى ; لأنه جزاء أصل الفعل ، وهو مما لا يندرئ بالشبهات وبهذا ثبت في الخطأ المحض ففي شبه العمد أولى ، وأما الخطأ فهو ما أصبت مما كنت تعمدت غيره .

التالي السابق


الخدمات العلمية