الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولو شهدوا عليه بقتل رجل عمدا أو قذف أو شرب خمر لم يقم عليه حد حتى يحضر مولاه في قول أبي حنيفة ومحمد ، وقال أبو يوسف : يقضي عليه بذلك ، وإن لم يحضر مولاه ، وكذلك لو شهدوا عليه بإقراره بذلك ، ومولاه غائب ففيما يعمل فيه الرجوع عن الإقرار لا تقبل هذه الشهادة ، وفيما لا يعمل فيه الرجوع عن الإقرار لا تقبل هذه الشهادة ، وفيما لا يعمل فيه الرجوع عن الإقرار كالقصاص وحد القذف فهو على الخلاف الذي بينا ، ولا خلاف أنه لو أقر به قضى القاضي به عليه فأبو يوسف يقول : المستحق بهذه الأسباب هو خالص حقه وهو دمه فإن وجوب العقوبات عليه باعتبار معنى النفسية دون المالية ، وهو في حكم النفسية مبقى على أصل الحرية ، ولهذا تقام عليه هذه العقوبات بإقراره ، وإن كان المولى غائبا أو مكذبا له ، ولا يقبل إقرار المولى بشيء من ذلك فلا يشترط حضور المولى ; لقبول البينة عليه بذلك ، وهما يقولان في القضاء بهذه البينة مع غيبة المولى إبطال حقه من أوجه : أحدهما : أنه يستوفي هذه العقوبة فتفوت به مالية المولى أو تنتقص ، والثاني أنه يخرج من يد المولى إذا حضر مجلس الحكم لإقامة الحد عليه بذلك ، واليد مستحقة للمولى .

والثالث : أن له حق الطعن في الشهود لو كان حاضرا فبالقضاء عليه قبل حضوره يبطل حق الطعن الثابت له ، وإبطال حقه بالقضاء حال غيبته لا يجوز بخلاف الإقرار فإن الإقرار موجب للحق بنفسه ، وليس للمولى حق الطعن في إقراره فلا تفوت به يده ، ولا حقه في الطعن ثم لا تهمة في إقراره على نفسه ; لأن ما يلحقه بالضرر بذلك فوق ما يلحق مولاه ، وقد بينا هذه المعاني في كتاب الآبق .

وأما الصبي والمعتوه المأذون لهما فلا يلزمهما شيء من ذلك في الإقرار ، ولا في الشهادة على الفعل ; لأنهما غير مخاطبين ، والأهلية للعقوبة تنبني على كون المباشر مخاطبا لا في القتل خاصة إذا كان أب الصبي أو المعتوه أو وصيهم حاضرا فإنه يقضي بالدية على عاقلتهما . [ ص: 37 ] وفي حالة غيبة الولي لا يقضي بذلك ، ولو شهدوا عليهما بالإقرار بالقتل فالشهادة باطلة ; لأن القتل ليس من التجارة ، وفيما ليس من التجارة المأذون والمحجور سواء ، ولا قول له في ذلك ، والخصم في إثبات البينة عليه الولي فبدون حضرة المولى لا يقضي بشيء ، وبعد حضوره الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، وإنه مما يوجب الدية على العاقلة .

التالي السابق


الخدمات العلمية