الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
وإذا كان دم العمد بين اثنين فشهد أحدهما على الآخر أنه قد عفي فهذا على أربعة أوجه إن صدقه في ذلك القاتل ، والمشهود عليه فللشاهد نصف الدية ; لأن ثبوت العفو من الآخر بتصادقهما عليه كثبوته بالمعاينة ، وإن كذباه في ذلك فللمشهود عليه نصف الدية ولا شيء للشاهد ; لأنه تعذر على المشهود عليه استيفاء نصيبه من القود لا لمعنى من جهته ، بل بشهادة الشريك عليه بالعفو ، وهو فيما يشهد به عليه متهم فيكون كاذبا في حقه ويجعل ذلك بمنزلة إنشاء العفو من الشاهد فيسقط حق الشاهد ويجب نصف الدية للمشهود عليه ، وإن صدقه القاتل وكذبه المشهود عليه فلكل واحد منهما نصف الدية في مال القاتل .

أما المشهود عليه نصف الدية لما قلنا فإن القاتل والشاهد لا يصدقان عليه في إسقاط حقه وأما الشاهد ، فقد زعم أن نصيبه انقلب مالا بعفو شريكه وصدقه القاتل بذلك وأما إذا كذبه القاتل وصدقه المشهود عليه ففي القياس لا شيء لواحد منهما على القاتل ; لأن حق الشاهد قد سقط بغير عوض فإن شهادته بالعفو في حق من كذبه ، وهو القاتل بمنزلة إنشاء العفو وأما المشهود عليه فلأنه قد أقر بالعفو المسقط [ ص: 159 ] لحقه وفي الاستحسان يجب نصف الدية للشاهد ; لأنه لما كذب القاتل الشاهد ، فقد وجب نصف الدية على القاتل للمشهود عليه بدليل أن المشهود عليه لو لم يصدق الشاهد كان له من المشهود عليه على القاتل نصف الدية ، فالمشهود عليه بهذا التصديق حول ذلك النصف إلى الشاهد وزعم أن نصف الدية للشاهد على القاتل لا له .

ومن أقر لإنسان بشيء فأقر المقر له لغيره به لا يصير رد الإقرار الأول ، ولكن يخول الحق إلى الثاني بإقراره أو كان شهد معه آخر ; لأن الشاهد من الوليين بشهادته على العفو متهم فإنه يقصد بشهادته أن يحول نصيبه إلى المال فلم يكن مقبول الشهادة وبشهادة الواحد لا يثبت العفو على الشريك ولو شهد كل واحد منهما على صاحبه أنه قد عفا ، والقاتل لا يدعي ذلك ولا ينكره ، فإن شهدا على التعاقب فالذي شهد أول مرة قد بطل حقه ; لأن شهادته بمنزلة عفوه ووجب لصاحبه نصف الدية فلا يبطل ذلك بشهادته بعد ذلك على شريكه بالعفو ، وإن شهدا معا فلا شيء لواحد منهما في هذا الفصل ; لأن كل واحد منهما بمنزلة العافي فيسقط حقهما منه بغير عوض ، وكذلك لو كذبهما القاتل ، وإن صدق القاتل أحدهما وكذب الآخر أعطي الذي صدق نصف الدية وبطل حق الآخر ; لأن كل واحد منهما يدعي لنفسه نصف الدية عليه ، وقد صدق أحدهما فيلزمه نصف الدية له وكذب الآخر ، وهو قد صار في حقه كالعافي ، وإن صدقهما أنهما قد عفوا ينبغي في قياس هذا القول أن يضمن الدية لهما ; لأنه صار يقر لكل واحد منهما بنصف الدية على نفسه كما إذا صدق أحدهما ، ولكن في الاستحسان لا ضمان عليه لواحد منهما ; لأن في تصديقه إياهما تكذيبهما فكل واحد منهما يزعم أنه ما عفا ، وإنما عفا شريكه ، وهو إذا زعم أنهما عفوا ، فقد صار مكذبا لكل واحد منهما وقد يثبتان أنه لو كذبهما جميعا لم يكن لكل واحد منهما عليه شيء من الدية .

التالي السابق


الخدمات العلمية