الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            معلومات الكتاب

            انتشار الإسلام في كوسوفا

            سامر بابروش أحمدي

            المبحث الثاني

            مراحل الفتح العثماني لكوسوفا

            أوجبت الظرفية التاريخية، التي ظهرت في إطارها الدولة العثمانية كقوة سياسية وموقعها الجغرافي، على حكامها أن يولوا اهتماما خاصا للجيش، وأن يتحروا العدل في أحكامهم والمساواة في معاملتهم مع رعاياهم. ويتضح ذلك في استخدامهم لفرقة جديدة في جيشهم وهي فرقة «الانكشارية» في عهد «أورخان» واهتمامهم بالجهاد وتوظيفهم له للتوسع على حساب الدولة البيزنطية [1] .

            وعندما آلت السلطة إلى السلطان مراد الأول في عام 761هـ/1360م - ولد في سنة 726 هـ/1326م، وهي السنة نفسها التي تولى فيها والده حكم الدولة العثمانية، وقد اشتهر بالجهاد في سبيل الله عز وجل والاهتمام بالجيش والشجاعة وحسن التدين والكرم والعدل وبناء المساجد [2] - وضع خطة محكمة للتوسع تجاه الدول الأوروبية تقوم على التدرج في فتحها؛ ومن بين الأماكن التي خطط لفتحها «كوسوفا»، ولتحقيق هـذا الهدف بدأ إرسال قواده إلى هـذه الأماكن فأرسل قائده « لالا شاهين » [ ص: 115 ] [3] لفتح مدينة مشهورة هـي « أدرنه » [4] ، وذلك في عام 763هـ/1361م وقد اضطر قائدها الرومي أن يسلمها إلى القائد العثماني السابق الذكر بعد أن تأكد من عدم جدوى المقاومة.. وفي سنة 768هـ/1366م نقل السلطان مراد الأول عاصمته إلى مدينة « أدرنه » التي كانت تعتبر المدينة الثانية من حيث الأهمية في الإمبراطورية البيزنطية بعد القسطنطينية.. وكان هـذا التحول في العاصمة لما يأتي:

            - لأجل أهميتها الاستراتيجية ومناسبة موقعها الجغرافي من مسرح العمليات الجهادية في أوروبا.

            - ليكون الجيش العثماني الإسلامي على مقربة من الجهاد في المناطق الأوروبية.

            - لتمكين الجيش العثماني من مهاجمة القسطنطينية من الجهة الغربية؛ لأنها أقل تحصينا من الجهات الأخرى.

            وقد اهتم السلطان مراد بهذه العاصمة الجديدة فبنى فيها دورا للموظفين، ومقرات للمؤسسات الحكومية المختلفة، ومدارس على الطراز [ ص: 116 ] الإسلامي، ومعاهد لتدريس الجند الانكشارية، وبيمارستانات لعلاج المرضى، وثكنات للجند، وبيوتا للعدالة...إلخ [5] .

            واستمرت مدينة « أدرنه » عاصمة للدولة العثمانية إلى أن فتح العثمانيون مدينة القسطنطينية في سنة 857هـ\1453م واتخذوها عاصمة لدولتهم [6] .

            أدى الوجود العثماني في «أدرنه» إلى إدخال الرعب في نفوس الأمراء الأوروبيين المحادين لهم، وإلى دفع هـؤلاء الأمراء إلى الاستعانة بملوك أوروبا الغربية والبابا ضد العثمانيين المسلمين [7] .

            فوجدت استغاثتهم أذنا صاغية من البابا «أوربان الخامس» [8] الذي دعا إلى قيام حملة صليبية وباركها ضد العثمانيين، وانضم إليها ملوك الصرب والمجريون والبلغاريون، وكونوا جيشا قدر عدده بستين ألف جندي لإخراج العثمانيين من أوروبا.. أما العثمانيون فقد جهزوا جيشهم وأسندوا قيادته إلى «لالا شاهين» لما علموا باحتشاد وتحالف النصارى ضدهم، [ ص: 117 ] وكانوا في عددهم أقـل من خصومهم، والتقى الجيشان بالقرب من « تشريمن » على نهر «ماريتزا» [9] في سنة 765هـ/1363م، ودارت بينهما معركة حامية الوطيس انهزمت فيها الجيوش المتحالفة، وتكبدت خسائر فادحـة في الأرواح والمعـدات؛ وعرفت هـذه المعركة بمعركة «ماريتزا»، أما السـلطان مراد فقـد كان في هـذا الأثناء مشـغولا بالجهاد في بلاد آسـيا الصغرى، وتمكن من فتح العـديد من المـدن ثم رجع إلى مقر سلطنته لوضع خطة لتنظيم ما فتحه من البلدان والأقاليم كما هـو شأن الفاتح الحكيم [10] .

            والجدير بالذكر أن معركة «ماريتزا» تعد من المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام عامة وتاريخ الدولة العثمانية خاصة في أوروبا ، فلو تمكن النصارى من الانتصار في هـذه الموقعـة لأصبح بمقدورهم إخراج العثمـانيين من أوروبا ومواصلة الزحف نحو الأراضي الإسلامية في آسيا الصغرى وحتى بيت المقدس [11] . [ ص: 118 ] وهناك بعض النتائج التي أدى إليها انتصار العثمانيين على مقربة نهر «مارتيزا»، نوجزها في الآتي:

            1- تم للعثمانيين فتح إقليم تراقيا ومقدونيا ، وتمكنوا أن يصلوا إلى جنوبي بلغاريا وإلى شرق صربيا .

            2- أصبحت مدن الدولة البيزنطية وكثير من أملاكها وبلغاريا وصربيا تتساقط في أيدي العثمانيين كأوراق الخريف [12] .

            3- أصبح العثمانيون على مقربة من الأراضي الألبانية عامة والكوسوفية خاصة.

            عظم شأن الدولة العثمانية في أوروبا نتيجة لتلك الفتوحات والانتصارات العظيمة فخشي جيرانها، خصوصا الضعفاء منهم، من ذلك التقدم العثماني السريع بحيث اضطروا إلى مراسلة العثمانيين طالبين مهادنتهم، وكانت أولى هـذه الدول هـي جمهورية «راجوزه» [13] التي أرسلت في سنة 767هـ/1365م إلى السلطان مراد رسلا طلبوا منه إبرام معاهدة ودية وتجارية معها مقـابل تعهدها بدفع جزية سنوية قدرها خمسمائة [ ص: 119 ] «دوكا» ذهب له، وهذه أول معاهدة تعقدها الدولة العثمانية مع إحدى الدول المسيحية [14] .

            اهتم السلطان مراد الأول بمواصلة فتوحاته في أوروبا الشرقية، وفي سنة 772هـ/1370م نجح في الوصول إلى نهر الدانوب، وتمكن من الانتصار في سنة 775هـ/1373م على الجيوش الصربية والبلغارية المشتركة التي كانت تحاول باستمرار إيقاف تقدم العثمانيين في الأراضي الأوروبية، مما أجبر أمراء الصرب والبلغار على الدخول في طاعة السلطان مراد الأول، وعقد صلح معه التزموا بموجبه دفع جزية سنوية للدولة العثمانية [15] .

            انزعجت الدول الأوروبية انزعاجا ظاهرا بهذا التقدم السريع للدولة العثمانية على حسابها، فقام الملك الصربي «لازار» بنقض العهد مع العثمانيين ومهاجمة مدينة « أدرنة » العاصمة العثمانية منتهزا فرصة غياب السلطان مراد الأول لانشغاله بفتوحات أخرى بالأناضول، ثم قام « سيسمان قرال » [16] أي أمير البلغار بالاستعداد للانضمام إلى جانب «لازار» ملك الصرب ولكن الوزير العثماني « علي باشا » - وهو أحد القواد العثمانيين - فطن للأمر وبادر بالهجوم على أمير بلغاريا، وتمكن الجيش العثماني الإسلامي [ ص: 120 ] من فتح المدن البلغارية وإجبار الأمير البلغاري على الفرار إلى مدينة « نيكوبولي » [17] وإخماد محاولته بعد ذلك لمباغتة الجيوش العثمانية ثم أسره [18] .

            وحينما عرف ملك الصرب «لازار» بانكسار رفيقه ملك البلغار ومصيره تأهب بجيوشه باتجاه الغرب للانضمام إلى أمراء ألبانيا (الأرنؤد – الأرناءوط) مثل الأمير « ذيميتر جونيما Dhimiter Jonima» والأمير « جرج بالشا Gjergj Balsha» المتحالفين مع البوسنيين والبلغاريين، الذين انضم إليهم جنود من بولندا والمجر وولاهيا (جزء من رومانيا الحالية) وشيك وفرانكيين (أوروبا الغربية) ، والتوجه للتصدي للقوات العثمانية الإسلامية.. أما الجيوش العثمانية، التي يقودها السلطان مراد الأول وبصحبته مجموعة من القواد والوزراء فقد زحفت نحو بلاد البلقان، حتى وصلت إلى وسطها وبالتحديد الساحة المشهورة بكوسوفا الحالية، وتقع تلك المنطقة بالتحديد في الشمال الشرقي لمدينة « بريشتينا » الحالية (عاصمة كوسوفا) ، وكانت أرض «كوسوفا» جزءا من الأراضي الألبانية الواسعة [19] ، وهنالك التقت قوات الشعوب المتحالفة في [ ص: 121 ] 792هـ/ الخامس عشر من شهر حزيران عام 1389م.. ومن الموافقات التي تذكر في هـذا اللقاء هـي أن وزير السلطان مراد الأول كان يحمل معه مصحفا وفتحه عن غير قصد فوقع نظره على هـذه الآية:

            ( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ) (الأنفال:65) ،

            فاستبشر الوزير بالنصر واستبشر معه المسلمون، ولم يلبث أن نشب القتال بين الجمعين، وحمي وطيسه، واشتدت المعركة، واستمات الفريقان في القتال، الذي كان سجالا بين الطرفين، وانكشفت الحرب في آخر الأمر عن انتصار المسلمين انتصارا باهرا حاسما، وانهزم الصربيون وحلفاؤهم [20] . وقد عرفت هـذه المعركة بمعركة «كوسوفا».

            وبعد الانتصار في معركة «كوسوفا» قام السلطان مراد الأول ليتفقد ساحة المعركة، وكان ذلك أثناء الليل وضوء الهلال والنجوم في السماء منعكسة على ساحة المعركة المغطاة بالدماء، ويقال إنه من هـذا المنظر جاءت فكرة العلم العثماني - وهو علم أحمر الأرضية - ويزين هـذا العلم الهلال والنجوم، وهذا العلم هـو نفسه، علم جمهورية تركيا الحالية [21] . [ ص: 122 ] وبينما السلطان مراد الأول يطوف مع رجاله بين القتلى والجرحى في ميدان المعركة إذ قام جندي صربي من بينهم اسمه «ميلوش كوبيلوفيتشMilosh Kopiloviq» وطعن السلطان بخنجر طعنة كانت هـي القاضية، وسارعت سيوف الانكشارية إلى القاتل فقتلته على الفور [22] واستشهد السلطـان مراد الأول في 15 شعبـان سنـة 791هـ الموافق يوم الإثنين 9 أغسطس 1389م، وهو يبلغ من العمر خمسا وستين سنة، وبلغت مدة حكمه ثلاثين سنة، ونقلت جثته إلى مدينة بورسة [23] .

            - نتائج معركة «كوسوفا»

            ترتب على معركة «كوسوفا» العديد من النتائج منها:

            1- سقوط حركة المقاومة ضد العثمانيين في شرقي أوروبا.

            2- سقوط دولة الصرب والبلغار والأناضول في أيدي العثمانيين ومن ثـم تبعيتها لهم. [ ص: 123 ] 3- توسع الدولة العثمانية الإسلامية في أوروبا وآسيا، وقد سهل ذلك الفرص أمامها للسيطرة على بلاد البلقان، وبالفعل تمكنت من فتح مدينة « اسكوبيا » المقدونية في سنة 795هـ / 1392م، وبسط سيطرتهم على الحدود العسكرية للأقاليم الغربية، وفتح كل المناطق والمدن الواقعة على الطريق المؤدية من مدينة «اسكوبيا» إلى الأراضي الكوسوفية، ووصلوا إلى إقليم « نووي بازار » [24] هـذا وقد فتحت الأراضي الكوسوفية كلية من قبل العثمانيين في سنة 860هـ / 1455م [25] وأصبحت تابعة لهم إلى بداية القرن العشرين.

            4- بدأت موازين القوى تميل بشكل ملحوظ لصالح الدولة العثمانية في آسيا وأوروبا نتيجة للانتصارات الحاسمة، التي حققوها على الجيوش الأوروبية المتحالفة في كوسوفا [26] .

            - شخصية السلطان مراد الأول

            وصفه بعض المؤرخين بالعدالة والكرم، وكان محبوبا لدى رعاياه من النصارى الذين عاشوا في ظل حكمه؛ لأنه كان يعاملهم المعاملة التي أوصى [ ص: 124 ] بها الشارع لجميع الطوائف من أهل الذمة، وهي معاملة أفضل من تلك التي كان البابا يعامل بها أتباعه [27] .

            وهناك من المؤرخين البيزنطيين وغيرهم من النصارى من مدح السلطان مراد الأول ، من ضمنهم « هـالكو نديلاس » الذي يقول: إن السلطان مراد الأول قام بأعمال مهمة كثيرة، إذ شارك في سبع وثلاثين معركة سواء كانت في الأناضول أو في البلقان، وخرج منها منتصرا، وكانت معاملته تجاه رعيته معاملة شفوقة. [28] .

            ووصفه المؤرخ الفرنسي « كرينارد » قائلا: إن السلطان مراد الأول كان من أكبر رجالات آل عثمان، وإذا قومه أحد منا تقويما سليما فسوف يجده في درجة أعلى من حكام الدول الأوروبية كلها في عصره [29] .

            ويبقى أن نذكر أن السلطان مراد الأول ورث عن أبيه إمارة كبيرة بلغت مساحتها 95000 كم2، ولكنها عند استشهاده واستلام خليفته وابنه بايزيد الأول قد بلغت 500000 كم2، وهذه المعلومة تبين أن الإمارة العثمانية قد زادت خلال تسع وعشرين سنة أكثر من خمسة أمثال ما تركها السلطان «أورخان» لولده مراد الأول [30] . [ ص: 125 ]

            التالي السابق


            الخدمات العلمية