الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الثانية : إذا ادعى مالا وأسنده إلى جهة بأن قال : أقرضتك كذا ، وطالبه ببدله ، أو قال : غصبت عبدي ، فتلف عندك ، فعليك كذا ضمانا ، أو مزقت ثوبي ، فعليك كذا أرشا ، أو اشتريت منك كذا ، وأقبضتك ثمنه ، أو اشتريت مني كذا ، فعليك ثمنه ، وطالبه بالمدعى ، فليس على المدعى عليه أن يتعرض في الجواب لتلك الجهة ، بل يكفيه أن يقول : لا يستحق علي شيئا ، ولا يلزمني تسليم شيء إليك ، وكذا يكفيه في جواب طالب الشفعة : لا شفعة لك عندي ، أو لا يلزمني تسليم هذا الشقص إليك ؛ لأن المدعي قد يكون صادقا في الإقراض والغصب وغيرهما ، ويعرض ما يسقط الحق من أداء أو إبراء أو هبة ، فلو [ ص: 22 ] نفى الإقراض ونحوه كان كاذبا ، وإن اعترف به ، وادعى المسقط طولب بالبينة ، وقد يعجز عنها ، فدعت الحاجة إلى قبول الجواب المطلق ، ولو قالت المرأة : طلقتني ، فقال : أنت زوجتي ، كفاه وإذا اقتصر المدعى عليه على الجواب المطلق ، وأفضى الأمر إلى الحلف ، حلف على ما أجاب ، ولم يكلف التعرض لنفي الجهة المدعاة ، ولو حلف على نفي الجهة المدعاة بعد الجواب المطلق ، جاز ، ذكره البغوي . ولو تعرض في الجواب للجهة ، فقال : ما بايعتك ، أو ما أقرضتني ، أو ما مزقت ، فالجواب صحيح ، إن حلف على وفق الجواب ، فذاك ، وإن أراد أن يقتصر في الحلف على أنه لا يلزمه شيء ، فهل يمكن ، كما لو أجاب كذلك ، أم لا ليطابق اليمين الإنكار ؟ وجهان ، أصحهما : الثاني ، وهو المنصوص . ولو كان في يده مرهون ، أو مستأجر ، وادعاه مالكه ، كفاه أن يقول : لا يلزمني تسليمه ، ولا يجب التعرض للملك ، فإن أقام المدعي بينة بالملك نقل في " الوسيط " عن القاضي أنه يجب عليه تسليمه ، واعترض عليه بأنه قد يصدق الشهود ، ولا يجب التسليم لإجارة أو رهن ، ولو اعترف بالملك ، وادعى رهنا أو إجارة ، وكذبه المدعي ، فمن المصدق منهما ؟ وجهان سبقا في باب اختلاف المتراهنين ، فإن صدقه صاحب اليد فذاك ، وإن صدق المالك - وهو الصحيح - احتاج مدعي الرهن أو الإجارة إلى البينة ، فإن لم توافقه بينة ، وخاف جحود الراهن لو اعترف له بالملك ، فما حيلته ؟ وجهان ، قال القفال : حيلته تفصيل الجواب ، فيقول : إن ادعيت ملكا مطلقا فلا يلزمني التسليم ، وإن ادعيت مرهونا عندي ، فاذكره لأجيب ، وقال القاضي حسين : لا يقبل الجواب المردد ، بل حيلته أن يجحد ملكه [ ص: 23 ] إن جحد صاحبه الدين والرهن ، وعلى عكسه لو ادعى المرتهن ، وخاف الراهن جحود الرهن لو اعترف بالدين ، فعلى الوجه الأول يفصل ، فيقول : إن ادعيت ألفا لي عندك به كذا رهنا فحتى أجيب ، وإن ادعيت ألفا ، فلا يلزمني . وعلى الثاني صارت العين مضمونة عليه بالجحود ، فلمن عليه الدين أن يجحده ، ويجعل هذا بذاك ، ويشترط التساوي ، والوجه الأول أصح ، وبه قطع الفوراني ، وذكر أن المدعى عليه يفصل الجواب أبدا ، ولا يكون ذلك إقرارا بشيء مثل أن يدعي عليه ألفا ، فيقول : إن ادعيت عن ثمن كذا فحتى أجيب ، وإن ادعيت عن جهة أخرى ، فلا يلزمني .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        ادعت على رجل ألفا صداقا يكفيه أن يقول : لا يلزمني تسليم شيء إليها ، قيل للقفال : هل للقاضي أن يقول : هل هي زوجتك ؟ فقال : ما للقاضي ولهذا السؤال ! لكن لو سأل ، فقال : نعم ، قضى عليه بمهر المثل إلا أن يقيم البينة أنه نكحها بكذا ، فلا يلزمه أكثر منه .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية