الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        المسألة الثانية : في يده دار جاء رجلان ادعى كل واحد منهما أني اشتريتها من صاحب اليد بكذا ، وسلمت الثمن ، وطالبه بتسليم الدار ، فإن أقر لأحدهما ، سلمت الدار إليه ، وهل يحلف الآخر ؟ قال الشيخ أبو الفرج : إن قلنا : إتلاف البائع كآفة سماوية ، فلا ، وإن قلنا : كإتلاف الأجنبي ، وأثبتنا الخيار ، فأجاز ، وأراد أن يطلب من البائع قيمتها ، بني التحليف على الخلاف في أنه لو أقر للثاني بعد الإقرار الأول هل يغرم فيحلف أم لا ؟ فلا وقد سبق نظائره ، وللآخر أن يدعي الثمن فإنه كهلاك المبيع قبل القبض في زعمه ، وإن [ ص: 69 ] أنكر ما ادعيا ولا بينة ، حلف لكل واحد يمينا ، وبقيت الدار في يده ، وإن أقام أحدهما بينة ، سلمت الدار إليه ، وليس للآخر تحليفه لتغريم العين ؛ لأنه لم يفوتها عليه ، إنما أخذت بالبينة ، وله دعوى الثمن ، وإن أقاما بينتين ، نظر ، إن كانتا مؤرختين بتاريخ مختلف ، قدم أسبقهما تاريخا ، وإن لم تكونا كذلك ، فله حالان ، الأولى أن يستمر صاحب اليد على التكذيب ، فيتعارضان ، فإن قلنا بالسقوط سقطتا ، وحلف المدعى عليه لكل واحد منهما ، كما لو لم يكن بينة ، وهل لهما استرداد الثمن ؟ وجهان ، أصحهما : نعم ، هذا إذا لم تتعرض البينة لقبض المبيع ، فإن تعرضت ، فلا رجوع بالثمن ؛ لأن العقد استقر بالقبض ، وليس على البائع عهدة ما يحدث بعده ، وإن قلنا بالاستعمال ، فالأشهر أنه لا يجيء الوقف ، والأصح مجيئه ، فتنزع الدار من يده والثمنان ، ويوقف الجميع ، وإن قلنا بالقرعة ، فمن خرجت قرعته ، سلمت إليه الدار بالثمن الذي سماه ، واسترد الآخر الثمن الذي أداه ، وإن قلنا بالقسمة ، فلكل واحد منهما نصف الدار بنصف الثمن الذي سماه ، ولهما خيار الفسخ ؛ لأنه لم يسلم جميع المعقود عليه ، فإن فسخا استردا جميع الثمن المشهود به ، وإن أجاز استرد كل واحد نصف الثمن المشهود به بناء على الأظهر ، وهو أن الإجازة بالقسط ، ويجوز أن يجيز أحدهما ، ويفسخ الآخر ، ويسترد جميع الثمن . ثم إن سبقت الإجازة الفسخ ، رجع المجيز بنصف الثمن ، وليس له أن يأخذ النصف المردود ، ويضمه إلى ما عنده ؛ لأنه حين أجاز ، رضي بالنصف ، وإن سبق الفسخ الإجازة ، فهل للمجيز أخذ الجميع ؟ وجهان ، أحدهما : لا ؛ لأنا نفرع على قول القسمة ، فلا يأخذ إلا ما اقتضته ، والمردود يعود إلى البائع ، وأصحهما ، وبه قطع العراقيون له ذلك ؛ لأن [ ص: 70 ] بينته قامت بالجمع ، وقد زال المزاحم ، ونقل الربيع قولا : أن البيعين مفسوخان ، وروي باطلان ، وهو معنى مفسوخان هنا ، ويعمل بمقتضى قول المدعى عليه ، وامتنع جماعة من جعله قولا ، منهم من غلظه ، ومنهم من قال : هو تخريج له .

                                                                                                                                                                        الحالة الثانية : أن يصدق صاحب اليد أحدهما ، فعلى قول السقوط تسلم الدار للمصدق ، وكأنه أقر له ولا بينة ، وعلى قول الاستعمال وجهان ، قال ابن سريج : يقدم المصدق ، وكأنه نقل إليه يده ، فصار معه يد وبينة ، والأصح المنع لاتفاق البينتين على إسقاط يده ، وانتزاع المال منه باتفاق الأقوال ، واليد المزالة لا يرجح بها ، فعلى هذا هو كما لو لم يصدق واحد منهما . ثم إن الأصحاب لم يفرقوا فيما إذا لم تكن البينتان مختلفتي التاريخ بين أن يكونا مطلقتين أو متحدتي التاريخ أو إحداهما مطلقة ، والأخرى مؤرخة ، بل صرحوا بالتسوية ، إلا أن أبا الفرج الزاز استدرك ، فقال : هذا إذا لم يقدم المؤرخة على المطلقة ، فإن قدمناها قضينا لصاحبها ولا تجيء الأقوال .

                                                                                                                                                                        عن الشيخ أبي عاصم : لو تعرضت إحدى البينتين ، لكون الدار ملك البائع وقت البيع ، أو لكونها ملك المشتري الآن كانت مقدمة ، وإن لم يذكرا تاريخا . ولو ذكرت إحداهما ، نقد الثمن دون الأخرى كانت مقدمة ، سواء كانت سابقة ، أم مسبوقة ؛ لأن التعرض للنقد [ ص: 71 ] يوجب التسليم ، والأخرى لا توجب لبقاء حق الحبس للبائع ، فلا تكفي المطالبة بالتسليم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        في يده دار جاء اثنان يدعيانها ، قال أحدهما : اشتريتها من زيد وهي ملكه ، وقال الآخر : اشتريتها من عمرو وهي ملكه ، وأقام كل واحد بينة بما يقوله ، فهما متعارضتان ، فإن قلنا بالسقوط ، فكأنه لا بينة ، ويحلف صاحب اليد لكل واحد يمينا ، وإن قلنا بالاستعمال ففي مجيء قول الوقف الخلاف السابق ، ويجيء قولا القرعة والقسمة والتفريع كما سبق ، إلا أن على قول القسمة إذا اختار أحدهما فسخ العقد ، والآخر إجازته لا يكون للمجيز أخذ النصف الآخر ، سواء تقدم الفسخ أو الإجازة إذا ادعيا الشراء بين شخصين ؛ لأن المردود يعود إلى غير من يدعي المجيز الشراء منه ، فكيف يأخذه ، وحيث أثبتنا الخيار على قول القسمة ، فذلك إذا لم تتعرض البينة لقبض المبيع ، ولا اعترف به المدعي ، وإلا فإذا جرى القبض ، استقر العقد ، وما يحدث بعده ليس على البائع عهدته ، وإنما شرطنا في صورة الفرع أن يقول كل واحد : وهي ملكه ؛ لأن من ادعى مالا في يد شخص ، وقال : اشتريته من فلان ، لم تسمع دعواه حتى يقول : اشتريته منه وهو ملكه ، ويقوم مقامه أن يقول : وتسلمته منه ، أو سلمه إلي ؛ لأن الظاهر أنه إنما يسلم ما يملكه ، وفي دعوى الشراء من صاحب اليد لا يحتاج أن يقول وأنت تملكه ، ويكتفى بأن اليد تدل على الملك ، وكذا يشترط أن يقول الشاهد في الشهادة : اشتراه من فلان وهو يملكه ، أو اشتراه وتسلمه منه ، أو وسلمه إليه . قال الإمام : ويجوز أن يقيم شهودا على أنه اشترى من فلان وآخرين [ ص: 72 ] أن فلانا كان يملكه إلى أن باعه ، لكن هؤلاء شهدوا بالملك والمبيع جميعا ، فكأن المراد إذا أقام شهودا بالشراء وقت كذا ، وآخرين أنه كان يملكه إلى ذلك الوقت .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        أقام أحد المدعيين بينة أنه اشترى الدار من فلان ، وكان يملكها ، وأقام الآخر بينة أنه اشتراها من مقيم البينة الأولى ، حكم ببينة الثاني ، ولا يحتاج أن يقول المقيم البينة : وأنت تملكها ، كما لا يحتاج أن يقول : لصاحب اليد ؛ لأن البينة تدل على الملك كما أن اليد تدل عليه .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية