الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  ويروى في ذلك عن علي وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبان بن عثمان وعلي بن حسين وشريح وسعيد بن جبير والقاسم وسالم وطاوس والحسن وعكرمة وعطاء وعامر بن سعد وجابر بن زيد ونافع بن جبير ومحمد بن كعب وسليمان بن يسار ومجاهد والقاسم بن عبد الرحمن وعمرو بن هرم والشعبي - أنها لا تطلق .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  أي يروى في أن لا طلاق قبل النكاح عن علي بن أبي طالب - إلى آخره ، وذكر الرواية عنهم بصيغة التمريض ، ولو ثبت عنده في ذلك خبر مرفوع صحيح لذكره ، وهؤلاء الأربعة وعشرون ذهبوا إلى أن لا طلاق قبل النكاح ، وهؤلاء كلهم تابعيون إلا أولهم وهو علي بن أبي طالب ، وإلا ابن هرم فإنه من أتباع التابعين .

                                                                                                                                                                                  أما التعليق عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فرواه ابن أبي شيبة عن محمد بن فضل عن ليث عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال عنه ، وأما التعليق عن عروة فرواه أيضا عن الثقفي عن عروة - فذكره ، وأما التعليق عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فرواه يعقوب بن سفيان والبيهقي من طريقه عن يزيد بن الهاد عن المنذر بن علي بن أبي الحكم أن ابن أخيه خطب ابنة عمه فتشاجروا في بعض الأمر ، فقال الفتى : هي طالق إن نكحتها حتى آكل الغضيض ! قال : والغضيض طلع النخل الذكر - ثم ندموا على ما كان من الأمر ، فقال المنذر : أنا آتيكم بالبيان من ذلك . فانطلق إلى سعيد بن المسيب فذكر له ، فقال ابن المسيب : ليس عليه شيء ; طلق ما لا يملك . قال : ثم إني سألت عروة بن الزبير فقال مثل ذلك ، ثم سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن فقال مثل ذلك ، ثم سألت أبا بكر بن عبد الرحمن بن هشام فقال مثل ذلك ، ثم سألت عبيد الله بن عتيبة بن مسعود فقال مثل ذلك ، ثم سألت عمر بن عبد العزيز فقال : هل سألت أحدا ؟ قلت : نعم . فسماهم ، قال : ثم رجعت إلى القوم فأخبرتهم .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق عبيد الله بن عبد الله بن عتيبة ففي ما ذكره يعقوب بن سفيان المذكور الآن .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق أبان بن عثمان فلم يذكره أحد من الشراح .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق علي بن حسين بن علي المشهور بزين العابدين فذكره في الغيلانيات من طريق شعبة عن الحكم - هو ابن عتيبة - سمعت علي بن حسين بن علي يقول : لا طلاق إلا بعد نكاح . وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة عن غندر عن شعبة .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق شريح القاضي فرواه أيضا ابن أبي شيبة عن أبي أسامة ووكيع ، حدثنا شعبة ، عن سعيد بن جبير عنه قال : لا طلاق قبل نكاح .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق سعيد بن جبير فرواه ابن أبي شيبة أيضا عن عبد الله بن نمير عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير في الرجل يقول يوم أتزوج فلانة فهي طالق ، قال : ليس بشيء ; إنما الطلاق بعد النكاح .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فرواه أبو عبيد في كتاب النكاح له عن هشيم ويزيد بن هارون - كلاهما عن يحيى بن سعيد قال : كان القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز لا يرون الطلاق قبل النكاح .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق سالم بن عبد الله فهو المذكور الآن .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق طاوس فرواه أبو بكر بن أبي شيبة أيضا عن معتمر عن ليث عن عطاء وطاوس به .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق الحسن فرواه عبد الرزاق عن معمر عن الحسن وقتادة قالا : لا طلاق قبل النكاح ، ولا عتق قبل الملك .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق عكرمة فرواه أبو بكر الأثرم عن الفضل بن دكين عن سويد بن نجيح قال : سألت عكرمة مولى ابن عباس قلت : رجل قالوا له تزوج فلانة [ ص: 248 ] قال : هي يوم أتزوجها طالق كذا وكذا ! قال : إنما الطلاق بعد النكاح .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق عطاء فقد مر مع طاوس .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق عامر بن سعد - قيل البجلي الكوفي ، من كبار التابعين - فلم أقف على أثره ، وقال الكرماني : هو عامر بن سعد بن أبي وقاص . وقال بعضهم : فيه نظر . قلت : لم يذكر صاحب رجال الصحيحين عامر بن سعد البجلي هذا ، والظاهر أنه عامر بن سعد بن أبي وقاص فإنه أيضا من كبار التابعين .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق جابر بن زيد - وهو أبو الشعثاء البصري - فأخرجه سعيد بن منصور من طريقه .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق نافع بن جبير بن مطعم ومحمد بن كعب القرظي فأخرجه ابن أبي شيبة عن جعفر بن عون عن أسامة بن زيد عنهما قالا : لا طلاق إلا بعد نكاح .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق سليمان بن يسار فأخرجه سعيد بن منصور عن عتاب بن بشير عن خصيف عن سليمان بن يسار أنه حلف في امرأة إن تزوجها فهي طالق ، فتزوجها ، فأخبر بذلك عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه وهو أمير على المدينة ، فأرسل إليه : بلغني أنك حلفت في كذا ! قال : نعم . قال : أفلا تخلي سبيلها ! قال : لا . فتركه عمر ولم يفرق بينهما .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق مجاهد فرواه ابن أبي شيبة من طريق الحسين بن الرماح - سألت سعيد بن المسيب ومجاهدا وعطاء عن رجل قال يوم أتزوج فلانة فهي طالق ، فكلهم قالوا : ليس بشيء . زاد سعيد : أيكون سيل قبل مطر ؟

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود فرواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن معروف بن واصل قال : سألت القاسم بن عبد الرحمن فقال : لا طلاق إلا بعد نكاح .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق عمرو بن هرم الأزدي - من أتباع التابعين - فأخرجه أبو عبيد من طريقه ، قاله بعض الشراح .

                                                                                                                                                                                  وأما تعليق عامر الشعبي فرواه وكيع عن منصور عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أنه قال : كل امرأة تزوجها فهي طالق فليس بشيء ، وإذا وقت لزمه .

                                                                                                                                                                                  وهذا كما رأيت البخاري قد ذكر هؤلاء المذكورين بصيغة التمريض ونسب جميع من ذكر عنهم إلى القول بعدم الوقوع مطلقا ، مع أن في بعض من ذكر عنه تفصيلا وفي سند البعض كلاما على ما نشير إلى البعض ، فنقول: أثر علي بن أبي طالب رواه عبد الرزاق من طريق الحسن البصري ، والحسن لم يسمع من علي .

                                                                                                                                                                                  وأما رواية ابن أبي شيبة عن عبد الملك بن ميسرة ضعفه يحيى بن معين ، فإن قلت : أخرج ابن ماجه عن جويبر عن الضحاك عن النزار بن سبرة عن علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : لا طلاق قبل النكاح - قلت : جويبر بن سعيد البلخي ضعيف . فإن قلت : روى الترمذي ، حدثنا أحمد بن منيع ، حدثنا هشيم ، حدثنا عامر الأحول ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ، ولا عتق له فيما لا يملك ، ولا طلاق له فيما لا يملك . وقال : حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن صحيح ، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب . قلت : رواه أبو داود وابن ماجه أيضا .

                                                                                                                                                                                  وفي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كلام كثير ، فمن الناس من رده ، فعن أحمد : عمرو بن شعيب له أشياء مناكير ، وإنما يكتب حديثه ويعتبر به ، فأما أن يكون حجة فلا . وقال أبو عبيد الآجري : قيل لأبي داود : عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ! قال : لا ، ولا نصف حجة . وقال البخاري : رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ما تركه أحد من المسلمين . قال البخاري : من الناس بعدهم . وأجاب أصحابنا بعد التسليم بصحته أنا أيضا قائلون بأنه لا طلاق للرجل فيما لا يملك ، ووقوع الطلاق فيما قلنا بعد أن يملك بالتزويج المعلق فيكون الطلاق بعد النكاح كما ذكرنا في أول الباب ، ولما أخرج الترمذي هذا الحديث قال : وفي الباب عن علي ومعاذ بن جبل وجابر وابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهم . قلت : حديث علي قد ذكرناه ، وحديث معاذ بن جبل رواه الدارقطني من رواية عبد الحميد - وهو ابن رواد - عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن معاذ بن جبل أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : لا طلاق قبل نكاح ، ولا نذر فيما لا يملك . قلت : وطاوس عن معاذ منقطع ، ورواه أيضا من رواية يزيد بن عياض عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا طلاق إلا بعد نكاح ، وإن سميت المرأة بعينها . قال الدارقطني : يزيد بن عياض ضعيف . وقال شيخنا : ابن المسيب عن معاذ مرسل . ورواه ابن عدي في الكامل من رواية عمر بن عمرو العسقلاني عن أبي فاطمة النخعي عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل مرفوعا : لا طلاق إلا بعد ملك . وعمر بن عمرو [ ص: 249 ] يروي الموضوعات ، وأبو فاطمة لا يعرف .

                                                                                                                                                                                  وأما حديث جابر فرواه الحاكم في المستدرك من رواية ابن أبي ذئب عن عطاء عن جابر قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا طلاق لمن لم يملك ، ولا عتاق لمن لم يملك . وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

                                                                                                                                                                                  قلت : قال شيخنا : واختلف في علي بن أبي ذئب ; فرواه أبو مجلز الحنفي هكذا ، وخالفه وكيع فرواه عنه عن محمد بن المنكدر عن جابر يرفعه .

                                                                                                                                                                                  وأما حديث ابن عباس فأخرجه الدارقطني من رواية سليمان بن أبي سليمان عن يحيى بن أبي كثير عن طاوس عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : لا نذر إلا فيما أطيع الله فيه ، ولا يمين في قطيعة رحم ، ولا عتاق ولا طلاق فيما لا يملك . قلت : ذكره عبد الحق في أحكامه من جهة الدارقطني وقال : إسناده ضعيف . وقال ابن القطان : وعلته سليمان بن أبي سليمان فإنه شيخ ضعيف الحديث - قاله أبو حاتم الرازي ، وقال صاحب التنقيح : هذا حديث لا يصح ; فإن سليمان بن أبي سليمان هو سليمان بن داود اليماني ، متفق على ضعفه . وقال ابن معين : ليس بشيء . وقال البخاري : منكر الحديث . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابع عليه .

                                                                                                                                                                                  وأما حديث عائشة فرواه الدارقطني من رواية الوليد بن سلمة الأزدي عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : بعث النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أبا سفيان بن حرب ، فكان فيما عهد إليه أن لا يطلق الرجل ما لا يتزوج ولا يعتق ما لا يملك . قلت : قال في التنقيح : الوليد بن سلمة الأزدي قال ابن حبان كان يضع الحديث .

                                                                                                                                                                                  فإن قلت : وفي الباب عن المسور بن مخرمة وعبد الله بن عمر وأبي ثعلبة الخشني ; أما حديث المسور فأخرجه ابن ماجه من رواية هشام بن سعد المخزومي عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا طلاق قبل النكاح ، ولا عتق قبل ملك - قلت : أورده ابن عدي في الكامل في ترجمة هشام بن سعد وضعفه ، وقال : رواه مرة مرفوعا ومرة عن عروة مرسلا .

                                                                                                                                                                                  وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه الدارقطني من رواية أبي خالد الواسطي عن أبي هاشم الرماني عن سعيد بن جبير عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن رجل قال يوم أتزوج فلانة فهي طالق ، قال : طلق ما لا يملك ! قال صاحب التنقيح : هذا حديث باطل ، وأبو خالد الواسطي - هو عمرو بن خالد - وضاع . وقال أحمد ويحيى : كذاب .

                                                                                                                                                                                  وأما حديث أبي ثعلبة الخشني فرواه الدارقطني عن علي بن قرين ، حدثنا بقية ، عن الثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال عم لي : اعمل لي عملا حتى أزوجك ابنتي ! فقلت : إن تزوجتها فهي طالق ثلاثا ! ثم بدا لي أن أتزوجها ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألته ، فقال : تزوجها ; فإنه لا طلاق إلا بعد النكاح . قال : فتزوجتها فولدت لي سعدا وسعيدا .

                                                                                                                                                                                  قلت : قال صاحب التنقيح : هذا أيضا باطل ، وعلي بن قرين كذبه يحيى بن معين وغيره . وقال ابن عدي : يسرق الحديث . قلت : أبو ثعلبة الخشني اختلف في اسمه وفي اسم أبيه اختلافا كثيرا ; فقيل اسمه جرهم ، وقيل جرثوم ، وقيل ابن ناشب ، وقيل ابن ناشم ، وقيل بل اسمه عمرو بن جرثوم ، وقيل غير ذلك ، ولم يختلفوا في صحبته . وقال أبو عمر : بايع تحت الشجرة ثم نزل الشام ، ومات في خلافة معاوية ، ونسبته إلى خشين - بضم الخاء وفتح الشين المعجمتين - وهو وائل بن النمر بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ، والله أعلم .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية